ليه؟

 هل حقًّا المواطن المصري تعنيه الأدلة والإثباتات كي يقتنع برأي ما؟

أم أنه في جميع الأحوال يتبع هواه وميوله ومزاجه؟ سؤال لن أجيب عليه أنا، بل أتركك، قارئي العزيز، لتناقش الحالة مع نفسك، ثم تجيب على هذا السؤال

منذ لا أقل من 40 عامًا وأنا أكتب للتأكيد أن هناك جريمة تزييف ارتُكبت في حق هذا البلد، وعبّرت عن ذلك في مسرحية لي بعنوان «الفراعنة قادمون»، ورواية بعنوان «الطريق إلى هناك»، ومسرحيتي بعنوان «اقعد وأنت تفهم». طبعًا كان من المستحيل أن تُعرض هذه الأعمال على المسرح أو في السينما، أو يتم الحديث عنها في الصحافة التي تُسمّى بالقومية أو غير القومية؛ لأن كاتبها يسبح ضد التيار

أما فيما يختص بمقالاتي التي كانت تشغل صفحة كاملة في صحيفة القاهرة، وكان رئيس تحريرها الكاتب الكبير صلاح عيسى، فكان محظورًا – بالطبع – نشرها في الجرائد القومية

أما عن مقالاتي في الفيس بوك، فمتعدّش، وأغلبها تدور حول هذه الجريمة. لا أقول هزيمة الجيش المصري في 1967، بل أقول: تفكيك الجيش المصري بفعل فاعل

لم أصل لهذه النتيجة من حالي هكذا باعتبار أنها طقت في مخي مثلًا، لا، وصلت إليها من قراءتي من كتب ألّفها أعضاء فاعلون في نظام ما بعد 23 يوليو 1952، قامات شاركت أو شاهدت بأم أعينها هذه الأحداث

وأخيرًا قلت: «مبدهاش»، أنقل هذه الكتابات باسم أصحابها على صفحتك في الفيس بوك. أنت تقول شيئًا مبنيًا على شيء آخر. حسنًا، دع ما تقول جانبًا، أو ألقه في سلة المهملات، وقدم لهم الشيء الآخر الذي بنيت عليه الشيء الأول

قلت إن المشير الجمسي صرّح في كتابه «مذكرات المشير الجمسي: يوميات مقاتل في حرب أكتوبر 1973» بوجود تحذير من الدخول في حرب مع إسرائيل بسبب الحالة التي عليها الجيش المصري بسبب حرب اليمن

ثم قدمت للقارئ منذ أسبوعين نص ما كتبه رئيس أركان حرب الجيش المصري، والذي كان يشغل هذا المنصب من عام 1964 إلى 1968، وهو الفريق محمد فوزي، وزير الحربية السابق، والذي قال في كتابه نفس الكلام

والأكثر من ذلك أن الأخير وقّع على هذا التقرير بصفته رئيس الأركان، الذي رُفع له من رئيس هيئة العمليات، الفريق (المحترم جدًا) أنور القاضي

وهذا التقرير قال الاثنان في كتبهما إنهما وجداه في خزينة عبد الحكيم عامر عند جردها بعد وفاته

كده عدّاني العيب، الجيش المصري غير جاهز للدخول في حرب، وعبد الناصر اتخذ من القرارات ما فرض على مصر هذه الحرب

ألا يكون دورك الآن، يا قارئي العزيز، أن تقول: ليه؟ وبالعربي الفصيح: لماذا فرض عبد الناصر على الجيش المصري الدخول في حرب غير مستعد لها وغير مضطر لها، خاصة أن الشاهدين المرموقين هؤلاء قالا إن الجميع يعلم حقيقة ما كانت عليه حالة الجيش المصري آنذاك، بما في ذلك أمريكا وإسرائيل بالطبع؟

فمشكلتي معك، قارئي العزيز، مركزة في: هل ستقول ليه؟ أم ستعطيها صارمة، وانسى، وخد البنسة؟

المسألة خطيرة جدًا، لأنه يتوقف على هذه الإجابة ما إذا كانت مصر هي الأخرى...

ضمن البلاد أو الشعوب التي تقوم إسرائيل بتدويرها الآن، فما تفعله إسرائيل في الآونة الأخيرة هو عملية تدوير للبنان وسوريا وغزة، ليكونوا صالحين للحياة في الشرق الأوسط الجديد

لا تأخذ على خاطرك، قارئي العزيز، ماذا نفعل في الكيس البلاستيك عندما تنتهي صلاحيته؟ ألا نعيد تدويره؟ والعقل البشري إذا تقادم ففقد صلاحيته، أليس من الطبيعي أن يعاد تأهيله؟ إذا لم نقل «ليه»، فهذا دليل قاطع على قصور في العقل البشري

افترضت، قارئي العزيز، أنك قلت «ليه»، فقدمت لك دليلين: الأول من رئيس أركان حرب الجيش المصري، الفريق محمد فوزي، قدمت فقرة من كتابه، والثانية فقرة من كتاب «البحث عن الذات» تأليف محمد أنور السادات، رئيس جمهورية مصر

وإذا كانت شهادته مجروحة، فلديك الآخر، محمد فوزي، وإذا رأيت أن شهادته مجروحة، فلديك السادات، وإذا كنت غير مقتنع بهذا أو بذاك، فتحرك يا أخي، وابحث عن غيرهما

قالها محمد فوزي إجمالًا: خلاف على مستوى القمة بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وأضاف الرجل أن هذا الخلاف كان لابد أن يؤدي إلى نفس النتائج (هزيمة67 ) 

أما السادات فقدم واقعتين:

الأولى في فبراير 1967، أي قبل فضيحة 5 يونيو 67 بثلاثة شهور فقط، وليس أربعة شهور، فالحرب بدأت 5 يونيو. قال إنه في زيارته لعبد الناصر (رئيس الجمهورية آنذاك والقائد الأعلى للقوات المسلحة) وجده حزينًا مهمومًا وحائرًا: ماذا يفعل بنفسه؟ فقد سُحبت سلطاته كرئيس للجمهورية وقائد أعلى للقوات المسلحة

أكرر، إن أصلي في الحقيقة (إنسان بلط) ولحوح ومقزز، من أجل هذا أكرر: رئيس جمهورية هذا البلد، مصر، والقائد الأعلى لقواتها المسلحة، يقول قبل معركة 5 يونيو 67 بـ3 شهور: أنا لا أعرف ماذا أفعل بنفسي إذا كانوا أخذوا مني كل سلطاتي

كارثة، وأيم الحق! لكن هل ستصل لك بحجمها الطبيعي، قارئي العزيز؟ هل ستصفعك كما صفعتني من سنين؟ إذا كانت مرت مرور الكرام، خذ هذه لعلها تنجح فيما فشلت فيه الأولى

تحدث في الفقرة التالية عن واقعة حدثت بعد الأولى بعدة أيام، يعني في فبراير 1967. قال عبد الناصر للسادات إن شمس بدران، نائب نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، هذه ليست غلطة مطبعية، فشمس بدران كان نائب عبد الحكيم عامر، وفي نفس الوقت وزير الحربية، والذي توجد في قبضته كل شؤون مصر، سواء كانت المدنية أو العسكرية

هذا الرجل، في شهر فبراير 1967، وقبل فضيحة يونيو 67 بثلاثة شهور، جاء يطلب رئاسة الوزارة لتكون رسميًا، ويصبح على رأسها عبد الحكيم عامر

أليس هذا صراعًا وجوديًا، يا قارئي العزيز، بين رئيس جمال عبد الناصر، يملك الشعبية والشرعية وعاجز عن تفعيلهما، ولمدة 14 عامًا، 1953 إلى 1967، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ومعه وزير الحربية والمسيطر على القوات المسلحة؟

يعني الشعبية والعسكرية تتقاتلان من أجل السيطرة على البلاد قبل هزيمة يونيو 67 بثلاثة شهور

فماذا لو حلت لحظة الحسم؟ أو ماذا لو قرر الطرفان حسم المسألة؟ فمن سيكون له الغلبة الفورية؟ أعتقد أنه لا خلاف في أن القوات المسلحة هي التي كانت ستحسم الموقف. فمن هيتغدى بالآخر قبل أن يتعشى به؟

سؤال لابد أن يُسأل

الشيء الأغرب والأعجب من هذا، أن يحدث كل هذا ولا يصل شيء منه إلى الشعب. حرب وجودية بين شعب وجيشه تحتدم على مدى 14 عامًا، ولا يعرف الشعب شيئًا عنها

هل الإعلامي الكبير، والملقب بالأستاذ، محمد حسنين هيكل، لا يعرف شيئًا عن هذه الحرب المستعرة؟

وهنا نصل إلى بيت القصيد

هناك، يا سادتي، جدار عازل بالغ السمك، وبالغ الارتفاع، بالغ السواد، يحجب ما يدور تحت الطاولة، وفي الدهاليز، وفي أزقة النظام. وحوش، أفاعي، ذئاب، ضباع تنهش في كيان هذه الأمة، ولمدة 14 عامًا، ولا أحد يتكلم

ومن تكلم أخذ جزاءه: (مصطفى وعلي أمين) سجن ونفي، أنيس منصور عزل ثم عاد بعد أن تاب، د. عبد الرحمن بدوي منفي اختياري

هذا عن المشاهير، أما من كانوا مثلنا، فسجن وتعنيف وتنكيـل

كاتب بحجم يوسف السباعي يتحول برغبته إلى قوّاد ثقافي، يحقق لهيكل رغبته في أن يصنع زنزانة رفيعة الشأن لكتاب مصر، ويذهب إلى يحيى حقي، ويروده عن نفسه، ويقول له: هذا دفتر الشيكات، وحدد المرتب الذي تريده وتعال وانضم إلى كتاب مصر

فرفض، وظل يعيش حرًا في حياته المتواضعة، يركب الأتوبيس ذهابًا وإيابًا بين بيته والندوات الثقافية

هذا حال مصر وهي تعيش خلف هذا الجدار، بالغ السمك، وبالغ الارتفاع، بالغ السواد

هذا الجدار هو الجمهورية الأولى بالسبع أعمدة:

(الحكم الفردي، القمع الأمني، الإعلام الموجه، الحزب الواحد، الدستور المنتهك، مجلس النواب فاقد الندية، وزراء التكنو قراط ماركة تمام يا فندم)

ليه؟ .... كلمة ممنوعة في زنزانة السبع أعمدة

عرفت عدوك، أيها القارئ العزيز: السبع أعمدة، وليس محمد حسني مبارك

ملحوظة:

انتظرني، فقرات كثيرة قادمة من كتاب الجنرال محمد فوزي، لتعيش لحظات مؤسفة في هذا البزراميط العسكري والشعبي





تعليقات