لماذا الجمهورية الثانية وليس الجمهورية الجديدة؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال، يهمني أن نلقي نظرة على التغيرات الكبيرة والخطيرة التي فرضها علينا القرن الواحد والعشرون:
-تهديد سيبراني يطال كل مؤسسات الدول، ويمكنه أن يشل حركة أي قطاع فيها في لحظة واحدة
-هجمة من مجهول لا أحد يعرف مدى قدرته على الإنجاز أو التخريب، اسمه الذكاء الاصطناعي
- تدفق أجيال متعاقبة من الروبوتات، وقد يصاب أحدها بالجنون (فيضغط على زر فيحدث انفجار نووي)
هذا فيما يختص بالمخاطر الممكن وقوعها، أما المخاطر التي نعيشها الآن فمنها
-قيام أكبر دولة في العالم باختطاف رئيس دولة أخرى بطريقة عصابة آل كابوني، ونسف بحركة واحدة كل ما أنجزته البشرية من نظم وتحفظات وحرص على سيادة الدول وأمنها وكرامتها
-دولة ثانية تغلق ممراً مائياً مدعية ملكيتها له، وحقها في فرض رسوم على كل سفينة تمر فيه
-دولة (قزم ديموجرافياً) يجعلها القرن بمعطياته المتهورة هذه عملاقاً، إذ جعل العدد في البشر كالعدد في الليمون، وذلك نتيجة للتغير في أساليب الحروب هجوماً ودفاعاً
فلم يعد لسلاح المشاة أو الفرسان أو المدفعية نفس الأهمية السابقة، فهذه كلها أسلحة باتت حركتها أبطأ من إيقاع العصر، إذ إنها تعطي فرصة للخصم لتعديل خططه الدفاعية حسب مقتضى الحال... إلخ
فبلد مثل إسرائيل تمكنت بمعطيات هذا القرن أن تخلق تخصصاً جديداً اسمه (محو المدن من الوجود)، وذلك بمنصة يجلس عليها شخص كل وظيفته هو الضغط على زر ما، فينسف أبراجاً على بعد ألف أو ألفي كيلومتر من مكان الإطلاق الذي يجلس فيه مستريحاً هانئ البال، بينما السيجارة بين شفتيه، وكوب البيرة على يمينه
عالم جديد لعين منحط، يمكن أن تدرك ذلك من لقطة على سطح شاشة تلفزيون أو موبايل، فترى الأجساد البشرية وقد سحقتها كتل الخرسانة المسلحة، وغيرها وقد اشتعلت فيها النيران، وكأنها كومة من الخرق البالية. أطفال، شيوخ، نساء، شباب، كلاب، قطط... كله، كله
لا يحدث هذا بعيداً عنا، فقد رأيناه على حدودنا الشرقية غزة، والغربية ليبيا، والجنوبية السودان
ألا يُلزمنا هذا بإعادة التفكير في أولوياتنا؟
قد نتكاسل أو نتلهى بأشياء أخرى، لكن عندما نصطدم بتلك الحسبة لن يكون هناك مجال للتكاسل أو الاسترخاء أو ترك الأمور للظروف
والحسبة تبدأ بالسؤال الآتي:
كم من الوقت احتاجته إسرائيل لهدم برج ما على رأس سكانه في غزة؟ دقيقة؟ دقيقتان؟ لتكن دقيقتين
ونسأل: كم من الوقت استغرق بناء هذا البرج؟ سنة؟ سنتان؟ لنقل سنتين
ونحسب نسبة الهدم إلى البناء:
دقيقة على 2 سنة × 12 شهر × 30 يوماً × 24 ساعة × 60 دقيقة2
سنحصل على رقم متناهٍ في الصغر، حتى يكاد لا يُذكر
وهذا، في تصوري، يفرض علينا أن نفكر في حماية المبنى قبل أن نفكر في إنشائه
ابنِ ما شئت، وحول أموالك وعرقك على مدى سنين طويلة إلى أبراج تناطح السحاب، ومصانع تنتج كل شيء، وسمها ما شئت: جمهورية جديدة عظيمة، تضربها في 10 وتسميها جماهيرية كما فعل القذافي، وأطلق على ليبيا اسم الجماهيرية الليبية، لا مشكلة.
وبعد ذلك استخدم نسبة الهدم إلى البناء التي حصلنا عليها بعاليه لتعرف كم من الوقت يلزم لنسف كل هذا: يوم؟ يومان؟ أسبوع؟ أسبوعان؟
رأينا ذلك في غزة، ليس لمرة واحدة، وإنما لعدة مرات، ورأينا ذلك في لبنان
والسؤال الآن: هل حدث أن نُسفت عشة فراخ في إسرائيل منذ نشأتها في عام 1948 وحتى اليوم؟
لم يحدث
ما السبب؟
هل هو الفرق في القوة العسكرية؟
آسف جداً
الفرق ليس في القوة، وإنما في السياسة
فقد بدأت قوة إسرائيل أمام أعيننا من الصفر، وتزايدت شيئاً فشيئاً أمام أعيننا أيضاً، حتى صارت على ما هي عليه الآن
وهذا يعني أن الفرق ليس في القوة، وإنما في السياسة، صانعة هذه القوة وموجهتها
فهل ما يحدث في لبنان من هدم للأبراج واحتلال للأرض هو نتيجة للفرق بين القوتين العسكريتين اللتين تملكهما كل من إسرائيل ولبنان فقط؟
آسف جداً
الفرق في السياسة
وما يحدث في السودان الآن، هل مرجعيته عسكرية فقط، أم إنها في الأصل سياسية؟
فإسرائيل، على سبيل المثال، نظامها السياسي يسمح لها بالاستفادة من كل عقل له وجود على أرضها، سواء كان محسوباً على الموالاة أو المعارضة أو غيرهما
فلا استبعاد لأحد، ولا استبعاد لرأي مهما كانت شطحاته
الكل معروض على الطاولة، والبريمو لمن يستحقه
وهذا يعني أن العقل الجمعي في إسرائيل في ذروة كفاءته، بصفته محصلة لكل العقول
وهذا ينقلنا إلى ما يمكن أن يسمى بإنتاجية العقل الجمعي
Collective Intelligence Productivity (CIP)
فلو تمثل الـ CIP برقم معين، وكان هذا الرقم بالنسبة لإسرائيل يساوي 8، ولبنان يساوي 2، فالغلبة لإسرائيل، وهكذا
والذي يرفع الرقم أو يخفضه هو درجة مشاركة الشعوب في اتخاذ القرارات
فإذا كان هناك شعب ما تعداده 100 مليون، وعندما عُقدت انتخابات ما كانت المشاركة 25 مليوناً، وشعب آخر بنفس التعداد والخصائص وكانت المشاركة 70 مليوناً، فلا بد أن يظهر هذا الفارق في رقم إنتاجية العقل الجمعي
هذا بالطبع إلى جانب العوامل الأخرى، كالتعليم والثقافة والملاءة الاقتصادية... إلخ
من مجمل ما تقدم يتضح لنا حجم المخاطر التي أصبحت تطل علينا في القرن الواحد والعشرين، وهو ما يعني أن الجمهورية الجديدة، بصفتها بناءً وتشييداً ومجمعاً للأصول، غير قادرة بذاتها على حماية نفسها
والنظرة المبتسرة أو القاصرة ستقول: هذا صحيح، ولكن طالما يوجد جيش قوي فلا خوف عليها
وكأن الجيش كيان صانع لنفسه بنفسه
وهذا أيضاً خطأ آخر
فالشعوب هي صانعة الجيوش، وهي التي توجهها
وهنا تظهر أهمية رقم CIP أو إنتاجية العقل الجمعي، الذي لا يمكن الوصول إلى الرقم الأعلى إلا من خلال الديمقراطية أو الجمهورية الثانية، التي ندعو الرئيس إلى أن يضم صوته لصوتنا، ونقوم بتأسيسها بعد أن نعلن، من خلال إنتاجية العقل الجمعي، رفضنا الجمهورية الأولى بأعمدتها السبعة
((الحكم الفردي، القمع الأمني، الحزب الواحد، الإعلام الموجه، الدستور المنتهك، مجلس النواب فاقد الندية، وزراء التكنوقراط ماركة "تمام يا فندم")
وقيام جمهورية ديمقراطية يقودها رئيس وزراء منتخب، إن أجاد بقي، وإن أخفق ذهب
هل تنضم إلينا، قارئي العزيز؟
فكر، من فضلك، ونحن في الانتظار.
تعليقات
إرسال تعليق