العمي القومي

 الويل لأي شعبٍ إن انتقل جيشه من مرتبة الابن لهذا الشعب إلى مرتبة الأب لنفس الشعب. فالفرق ليس قليلًا كما قد يراه البعض، باعتبار أن الأب والابن بينهما علاقة وثيقة على المستويين البيولوجي والاجتماعي، ولكن في حالتنا تلك، إن تبدلت المراكز ولعب الابن دور الأب الآمر الناهي، والموجه، والمسيطر على كل شيء، اختلت أمور كثيرة

قبل أحداث 23 يوليو 1952 كان الجيش ابنًا للشعب المصري، لكنه، ولأسباب عديدة، تسيَّس. ففي خلال الحرب العالمية الثانية اتجه بعض الضباط إلى الانحياز لدول المحور، وبشكل أدق إلى ألمانيا بقيادة هتلر. وعندما هُزم هتلر، كان هذا بمثابة نكبة، ليس فقط لهؤلاء الضباط، وإنما أيضًا للكثير من النشطاء السياسيين المصريين

وللأسف، إن كان هناك ما يدعو لذلك، فبالذات في الفترة من 1944 إلى 1952 كان يوجد تنظيمان رئيسيان: الإخوان المسلمون والشيوعيون. وكان بين كلٍّ من التنظيمين والدولة القائمة عداءٌ جيني، وبينهما وبين الليبرالية القائمة حربٌ وجودية. ولكن لأن مصر في ذلك الوقت كانت بلدًا ديمقراطيًا، وكانت الانتخابات هي حجر الزاوية في الوصول إلى الحكم، وكان كلا التنظيمين يعرف أنه لا سبيل إلى السلطة من خلال الانتخابات، فقد بدا الحل الوحيد من وجهة نظرهما هو إسقاط الدولة بالقوة

ولم تكن القوة المتاحة سوى المظاهرات. وبالفعل كان كلٌّ من التنظيمين يتدخل في المظاهرات إلى جانب هذا الفريق أو ذاك، حسبما تراه قيادتاه مناسبًا. ولكنهما كانا يعلمان أن هذه المظاهرات، مهما بلغت قوتها أو عنفها، فإن أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه هو سقوط الحكومة وتشكيل حكومة أخرى، بينما تبقى الدولة ثابتة كما هي

وهنا رأى الداهية، لا الداعية، حسن البنا، أنه لا حل إلا باختراق الجيش. وبالفعل، وبصفته الأخرى داعيةً إسلاميًا لا يسكن الإيمان قلبه فقط، بل تبدو سماحته على وجهه ولحيته ونظراته المتواضعة الودودة، وبغموضه المقدس، وبهذه المؤهلات استطاع أن يدخل الجيش واعظًا وداعيةً إسلاميًا في المواسم والأعياد وغيرها، وكان محل ترحيب الجميع بالطبع

لكن حسن البنا، الداهية، نجح في استقطاب العديد من الضباط، وشكَّل ما سُمِّي أولًا الجنود الأحرار، ثم تحول الاسم إلى الضباط الأحرار، وكان من بينهم جمال عبد الناصر، وحسين الشافعي، وكمال الدين حسين، وغيرهم

والدور نفسه لعبه الحزب الشيوعي، الذي كان يسعى إلى المساواة بين البشر، إذ انضم كثير من الضباط إليه

وبعد هزيمة 1948، والاستقبال الشعبي الحافل للضباط الذين كانوا محاصرين في الفالوجا، وقصة الأسلحة الفاسدة التي روَّج لها الصحفي إحسان عبد القدوس، ظهر الجيش بمظهر الابن الذي خذله الأب (الدولة)، وغرر به، وتسبب في هزيمته. فوجد الإخوان المسلمون والشيوعيون في ذلك فرصة، فأخذت دعايتهما وإعلامهما يؤكدان هذا الاتجاه، وتحول الجيش في الوعي العام من ابنٍ للشعب والدولة إلى أبٍ منقذ، ثم أسقط الدولة المصرية التي وُصفت بالفاسدة، وجلس في مقعد الأب، بينما جلس الشعب في مقعد الابن.

وكان هذا الجيش المُسيَّس في حاجة إلى من يقوده، وهنا

قام صانع، أو مايسترو، أحداث 23 يوليو 1952 بترقية صديقه المقرب (إنتيمه) عبد الحكيم عامر من رتبة صاغ إلى رتبة لواء، ونصبه قائدًا عامًا للجيش المصري. وبطِباع «ابن البلد الجدع»، صاحب صحبه و «ما بيده ليس له » أحبه صغار الضباط، وضم إليه زميل دفعته شمس بدران، الذي بدوره جمع حوله ضباط هذة الدفعة

واستقوى جمال عبد الناصر على بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة بجيش عبد الحكيم عامر وشمس بدران. ولكن بسبب الأداء غير المرضي، حاول جمال عبد الناصر إزاحة عبد الحكيم عامر من منصب القائد العام، إلا أنه لم يوافق

ثم حاول مرة أخرى بعد فشل الوحدة مع سوريا وحدوث الانفصال، خاصة أن عبد الحكيم عامر كان حاكم لسوريا أثناء الوحدة، و أرسله السوريين الي مصر بصورة غير لائقة. حاول عبد الناصر مرة أخرى إبعاده عن منصب القائد العام، لكنه لم يقبل 

عندئذ فكر عبد الناصر في وسيلة أخرى، فأنشأ ما سُمي مجلس الرئاسة، وهو مجلس كان من شأنه تقليص صلاحيات عبد الحكيم عامر ورفاقه. وبعد أن وافق عبد الحكيم عامر في البداية على المشاركة فيه، أدرك هو وفريقه، وعلى رأسهم شمس بدران، ما اعتبروه «الملعوب» الذي سيؤدي إلى سحب السلطات من أيديهم، فتراجع عن موافقته، وقدم استقالة مسببة، كان على رأس أسبابها - كما ورد فيها - غياب الديمقراطية

وتراجع جمال عبد الناصر عن خطته، وعاد كل شيء إلى ما كان عليه، بل وزادت سلطات عبد الحكيم عامر، الأمر الذي فتح الطريق أمامه وأمام جماعته للتدخل في أمور أخرى، من بينها أحداث كمشيش

كان هذا الجيش المُسيَّس مصدر إزعاج كبير لجمال عبد الناصر، خاصة بعد أن فشلت كل محاولاته لتغييره وتحويله إلى جيش محترف. وسيجد المؤرخون يومًا أنفسهم مضطرين للإجابة عن بعض الأسئلة التي ستطرحها الأجيال القادمة يوماً ما :

هل أدخل جمال عبد الناصر الجيش المصري في حرب اليمن بغرض إشغاله وإنهاكه؟

وسؤال آخر أكثر خطورة: هل وجد عبد الناصر ان الحل الوحيد للخلاص من سطوة شمس بدران و حاشيته و عبد الحكيم عامر بالطبع هو تفكيك الجيش المصري من خلال هزيمة بشكل و صورة و ملابسات هزيمة 5يونيو 1967؟

علي كل حال هذا ليس من عملنا لكن ما يهمنا انه بعد هزيمة 5 يونيو 1967 اظهر الشعب المصري (كأب) العين الحمرا للأبن المهزوم و الفاشل و المخادع و نتج عن ذلك ان عاد الجيش المصري الي مرتبة الابن كأداة من ادوات الاب (الشعب) فكان انتصار 1973 العظيم

لكن السؤال الذي يهمنا اليوم هو: كيف مرت مصر بكل هذه التجارب الهائلة منذ الحملة الفرنسية، ثم لا نزال نقع في الأخطاء نفسها؟

وعلى رأس هذه التجارب هوجة عرابي، التي أطلقنا عليها - زورًا وبهتانًااسم ثورة عرابي، مع أنها لم تكن ثورة شعبية، وإنما حركة فئوية انصبت مطالبها على ترقية الضباط المصريين، ومرتباتهم، وإنهاء التمييز بينهم وبين الضباط الشراكسة

ثم نصبنا أحمد عرابي بطلًا قوميًّا، رغم الأخطاء الفادحة التي ارتكبها، هو والشاعر محمود سامي البارودي، والتي انتهت  إلى وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني لمدة  أربعة وسبعين عامًا

و دخل تاريخنا بلا كلمة عتاب واحدة و دخل مقررات طلابنا كبطل لا يأتيه الباطل من بين يده و لا من خلفه كأن نقول مثلا انه كان وطني كبير و لكن للأسف اخطاءه  كذا و كذا و لو كنا فعلنا هذا ربما ما رأينا عبد الناصرأبداً و لو دخل عبد الناصرالتاريخ بنفس الكيفية انه كان زعيما عظيما و لكن اخطاءه كذا و كذا

هذا التوصيف هو الوحيد القادر علي حماية مصر من ظاهرة إعادة التاريخ لنفسه علي أرضنا بمثل هذا التبجح

و هناك عبارة جرت علي لسان اللورد كرومر بعد حادث دنشواي و ذلك لحظة مغادرته لمصر مغضوب عليه من الحكومة البريطانية بسبب الصحافة البريطانية التي تأثرت بالمقالات النارية لمصطفي كامل في الصحف الفرنسية فخلعته من منصبه و كان هذا الرجل بحساباته الخاصة يعتبر نفسه قدم لمصر خدمات لا تقدر بثمن و ما كان يجب علي السياسين المصريين ان يقفوا منه هذا الموقف في حادث دنشواي خاصة ان المحكمة التي تشكلت كانت مصرية من ساسها إلي رأسها إبراهيم الهلباوي المحامي الشهير كان ممثل الاتهام و أحد القضاة كان أحمد فتحي زغلول شقيق سعد زغلول و رئيس المحكمة كان بطرس غالي ، أما الخدمات التي أداها هذا الرجل لمصر و هي موثقة بالطبع:

اتفاقية النيل 1902 الذي اجبر ملك اثيوبيا منليك الثاني علي التوقيع عليها و التي تحظر علي اثيوبيا اقامة اي سدود او عوائق علي النيل الازرق 

حاولت تركيا اقتطاع جزء من سيناء(طابا) من أجل انشاء سكة حديد من معان الأردنية إلى العقبة، فرفض إلي حد الاقتراب من حافة الحرب بين تركيا و بريطانيا

 حاولت اسرائيل اقامة دولتها في سيناء و حضر هرتزل الي مصر من اجل ذلك و لكن كرومر رفض

شعر اللورد كرومر بأن المصريين المعاصرين ناكرون للجميل، إذ لم يحضر حفل وداعه سوى سعد زغلول، باعتباره صديقًا مقربًا له، ورياض باشا، بصفته رئيسًا للوزراء آنذاك. وعندها قال عبارته التي أشرت إليها سابقًا

«عزائي أن أبناء العميان يولدون مبصرين»

وكان يقصد، من وجهة نظره، أن الأجيال القادمة من المصريين ستقدر ما يعتبره خدمات قدمها لمصر، وستعيد إليه اعتباره

وقد شغلتني هذه العبارة عندما قرأتها. نعم، هذا صحيح بنسبة مائة في المائة من الناحية البيولوجية والفسيولوجية؛ فأبناء فاقدي البصر يولدون مبصرين في الغالب. لكن عندما تثبت الشواهد أنهم، رغم ذلك، لا يبصرون الحقيقة، فما معنى هذا؟ إنهم يرون ولا يرون. وضع غريب، لكنه واقع تعيشه الأمم

والدليل على ذلك أن العصور الوسطى، بما امتلأت به من ضلالات، استمرت نحو ألف عام، إلى أن قام عدد من المفكرين، وفي مقدمتهم ابن رشد، بهدم جدرانها السميكة و سحق ثوابتها

وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن نسأل: كيف يحدث هذا؟

يحدث عندما يوجد من يضع غشاوة على تلك العيون المبصرة، فيتعذر عليها أن ترى. وهذا ما يحدث بالفعل؛ في المنزل، وفي المدرسة، وفي الشارع، ودينيًا، وسياسيًا، واجتماعيًا

هناك شيء اخر احب ان انوه عنه و هو روح الجماعات التي ألف جوستاف لوبون كتاب بشأنها و ملخص الفكرة هو أن للجماعة تأثير علي الفرد و إذا حاولنا ان نقصر الامر علي ما نعانيه نحن في بلدنا مصر من هذا القصور في الرؤية الجمعية فإن من أكثر العوامل المؤثرة في وعينا العام من الناحية السياسية هو الخطاب الديني من ناحية و المقررات الدراسية في مدارسنا التي يجب ألا تستمر علي ما هي عليه فلا يمكن ان يظل عرابي في نظرأبنائنا  بطل قومياً اسطورياً فوق أي نقد و لا يمكن أن  يظل جمال عبد الناصر في مدارسنا جالساً علي نفس العرش لأكثر من 56 عاما دون قيام دراسات جادة تشرح عصره تشريح دقيق موضوعي و بعيد عن أي أهواء و لابد أن تتوقف اجهزتنا الإعلامية الرسمية عن القيام بتلك الاحتفالات في ذكري تلك المناسبات التي ندعي أنها قومية و هي عارية تماماً من أي قومية نعم ليس هناك عمي بيولوجي أو فسيولوجي و لكن هناك عمي قومي عام بسبب تلك الجريمة التي ترتكب في مدارسنا و في الفضاء القومي المصري و هي المسئولة عن اعادة التاريخ لنفسه بهذا القدر من الوقاحة

تعليقات