أنا وأبي وجدي والجمهورية الثانية
المدخل: من نكون؟
أنا هنا لست الشخص، وإنما العصر. أبي هنا لا يمثل نفسه، وإنما يمثل عصر ما بعد 23 يوليو 1952
وجدي بدوره يمثل عصر ما قبل 23 يوليو 1952
ثلاثة أجيال، كل منها يمثل فصلاً في واحدة من دراما التاريخ المصري المولع دوماً بالدراما
دعونا نجلس في مقاعد المتفرجين، ونرَ هل سيكون عرضاً مسلياً - كما نأمل - أم لا؟
تنبيه هام
أيها المشاهدون الأجلاء، ستلاحظون وجود فصل عنصري بين يومي ما قبل وما بعد 23 يوليو 52، وهذا الفصل التعسفي لا يد لمخرج العرض فيه، ولا للتاريخ والجغرافيا، ولا وجود له في النص الأصلي، لكنه حدث بفعل حفنة من الجبابرة يملكون القدرة على إطفاء الشمس، ولعمري لو أن وصلة غنائية لأم كلثوم امتدت خمس دقائق بعد منتصف ليل 22 يوليو 1952، لجمعت بين العصرين، ثم هل يمكن أن يكون طه حسين في صباح 23 يوليو 1952 غيره في مساء 22 يوليو 1952؟ أم أن الرجل هو هو.. جسداً وروحاً، وعلماً وفكراً.. لكن لسبب ما نجد لدينا من يملكون القدرة على طمس أكثر الحقائق سطوعاً، ويسمون العصر الأول عصر ما قبل الثورة، والثاني عصر ما بعدها، وكأنه بالفعل كانت هناك ثورة شعبية، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، فالثورة تعني وجود أناس يخرجون إلى الشارع يطالبون بحق ما، أو بإسقاط مسؤول أو محاكمته، وهذا لم يحدث، فما حدث ليس أكثر من خروج طابور عسكري أو أكثر من معسكراتهم، وهم حتى لا يمثلون أنفسهم، وربما لا يعرفون المهمة التي خرجوا لتنفيذها، ومن يعرفون هم عدد محدود من القادة، واستمرت هذه المغالطة، وكبرت، وانتفخت، ودافعت عن نفسها بقوة السلاح، حتى تساوت مع الحقيقة
نكّلوا بالعصر الأول، ومسحوا بقاماته البلاط، وبعد اطمئنانهم إلى أنه لم يبق في جسده سنتيمتر لم يلحقه التجريح والتشوه، أهالوا عليه التراب حتى لا تقع عيون الأجيال اللاحقة عليه، ثم أخذوا في تسليط أضواء مبهرة على الثاني، وهللوا وكبروا
جرى كل هذا في ذهني وأنا أستعيد ردود الأفعال المنتقدة، والرافضة، وأحياناً الغاضبة، وهي تتدافع من عيون كل من أمسك بكتاب سابق لي اسمه (وا بلداه) وتأمل غلافه
العنوان: (وا بلداه) تعبير عن الحسرة على ما آل إليه حال بلدنا
الصورة: علم مصر الأخضر، ويتوسطه - بنوع من الخيلاء - هلال وثلاثة نجوم متألقة، وقد ظل هذا العلم يرفرف في سماء مصر في الفترة من 1923 إلى 1953، حيث تم استبداله بالعلم الحالي، مع العلم بأنها الفترة الوحيدة التي عرفت فيها مصر الديمقراطية، ثم التهمتها النيران، كما هو موضح على الغلاف
فاتني للأسف أن أُلحِق بهذا العلم ( انتيمه ) ذائع الصيت وهو السلام الملكي بأن اطبع نوتته الموسيقية علي الوجه الآخر للغلاف حتي أجعل من مادة كتابي كتابي ماءً رقراقاً ينساب بين ضفتي نهر، إحداهما علم مصر الأخضر، والثانية السلام الملكي
عالمية مصر
وللحديث بقية
تعليقات
إرسال تعليق