البلادة القومية


أسبانيا 1 – الأرجنتين 0

يا فرحتي يا فرحتي  ليلة سعيدة قضاها المصريون 

إذ فرحوا غاية الفرح بسبب هزيمة العدو الجديد الأرجنتين وعدم حصولها على كأس المونديال المرموق، وسواء كان من فاز بالكأس هي دولة أسبانيا أو غيرها، فهذا لا  يهم المصريين لا من قريب و لا من بعيد ، المهم أن هناك من ثأر لنا، أما أن نثأر نحن لأنفسنا أو أن نُضمر في نفوسنا الثأر لأنفسنا، فهذا غير وارد؛ لأنه سيُلزمنا بالقيام بمجهودات عديدة أولها النظر في المرأة لنتعرف علي نقاط ضعفنا- و نحن لا نحب ذلك و لا معتادين عليه و لا نجيده

 ونسأل: كيف نعالج كل هذا؟ وهنا سنجد أنفسنا أمام ملفات كثيرة في حاجة إلى التعامل معها  ، والبحث عن حلول

مثلاً : فقد كان لدينا في الماضي لاعب فائق القدرة و الشهرة  اسمه  أبو حباجة واحد فقط، والآن لدينا محمد صلاح واحد فقط . أيام أبي حباجة كان عددنا 17 مليونًا، والآن 120 مليونًا و أحسب كام محمد صلاح المفروض أن يشرفنا الأن . أيام أبي حباجة كان لدينا ما يسمى بالساحات الشعبية مفتوحة أمام أبناء الشعب بكل مستوياتهم فقراء أو أغنياء  ما حالها الأن ؟ الله أعلم   فالكومباوندات لم تكن ظهرت للوجود بعد و كذا النوادي الخاصة و ما يسمي بالجيم ، والمدارس الخاصة محصورة في  سلالتين  فقط الليسيه و الفرير و الأن متعدش ، فهل هناك الآن عيون تبحث عن المواهب كما كان الحال من قبل، سواء في لعب الكورة أو الغناء أو غيره ؟

زمان كان لدينا عيون ترى، وآذان تسمع، وعقول تفكر،  و لجان تفحص ،فالتقطت من وسط الركام جوهرة اسمها أم كلثوم، ومن وسط الركام أخرجت عبد اللطيف أبو هيف، قاهر المانش. فهذا إذًا هو ملف البحث عن المواهب، هل له وجود فعلي، أم أن هناك مجرد كذابين زفة ومهنكرتية؟ وملف آخر هو التقاط المواهب وإعدادها... إلخ

هل نحن مستعدون لبذل ما يلزم من جهد للقيام بعملية الفرز و التجنيب بحثاً عن المواهب كما كان الحال من قبل ؟ صراحة  واقع الحال يقول لا الجهود غير كافية ، وإلا ما وصل الغناء إلى هذا الحال المزري، واخترت الغناء بالذات؛ لأنه من أكثر الشهود على خفوت و ضعف قوتنا الناعمة التي كانت تحلق في سماء الأقليم و ربما العالم  .

التعب و الجهد و العلم و الإصرار هم الطريق الوحيد للثأر و تكلفته من حيث الجهد كما ترون  عالية جدا فهل نحن مستعدون لتحملها أعتقد أننا لو أخذنا ذلك في الحسبان لتحفظنا كثيرا في فرحتنا الهبلة هذة و خففنا من شعورنا بالتشفي الأبله لهزيمة العدو الجديد

أنا أري في كل هذا بلادة قومية، وللأمانة لا أنكر أنها من بين موروثاتنا، وهذا الإرث اللعين يمكن أن تتعرف عليه في تاريخنا مثلاً:

عندما غزا نابليون مصر، فمن الذي تصدى له؟ إنهم العثمانيون وأعوانهم المماليك، أما المصريون فهذا أمرلا شأن لهم به ، فالمحتل القديم، العثمانيون والمماليك، ملزم بالدفاع عن الأرض في مواجهة المحتل الجديد، الفرنسيين.

أما دور المصريين فقاموا به  وقت المعارك علي الوجه الأكمل في صلوات الجمعة إذ اخذوا يرددون خلف من يؤم الصلاة    "اللهم ولِّ الأصلح" ثم انصرفوا عائدين  إلي بيوتهم في إنتظار الأصلح ولازالوا ينتظرون .. بارك الله فيهم  

بالنسبة لهم عثمانيون؟ مماليك؟ فرنسيون؟ لا يهم

حتى عندما هاجم عامة المصريين الجنود الفرنسيين في شوارع القاهرة، كان ذلك لحساب الدين و ليس لحساب الأرض أو الوطن ، ونتيجة لدعاية مغرضة قام بها العثمانيون وأتباعهم، مدعين أن الفرنسيين الكفار إنما غزوا مصر لا لشيء إلا للقضاء على الدين الإسلامي

ولم يكتفوا بهذه الدعاية، بل سلموا بعض البنادق لهؤلاء البسطاء ففاجئوا الفرنسيين بالهجوم فقتل منهم الكثير ، وكانت النتيجة أن ضرب نابليون القاهرة بالمدافع المنصوبة  علي سطح القلعة، ولأنهم لم يروا من قبل مثل هذا الحجم من النيران (القنابر)، ارتفع دعاؤهم في الشوارع: "يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف"

المرجع: كتاب الجبرتي (عجائب الآثار )

الأرض والوطن والدفاع عنهما ظلوا لأكثر من 20 قرنًا خارج سلة التزامات المصريين غير أن هناك من الأحداث ما يخفف وقع هذا السرد الكئيب و يجلب الأطمئنان إلي قلوبنا   

وقد تمثل  ذلك في الوقائع التالية الذي ظهر فيها حب المصريين لبلادهم و موتهم في الدفاع عن أراضيها :

1. ثورة 1919( التي ظهرت فيها قيمة الأرض عند المصريين  حيث رفعوا  الشعار التالي خلال  مظاهراتهم  العارمة  ضد المستعمر البريطاني "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" وحول  الفدائيون  هذا الشعار إلي حقيقة واقعة في الهجمات المستميتة علي معسكرات المحتل  البريطاني في منطقة القناة   

2. حرب 1973(استبسال عسكري من أجل الأرض)   

3. تحكيم طابا (استبسال قانوني من أجل استرجاع الأرض) 

4. ثورة 30 يونيو2013( تأكيداً للمواطنة التي هددها حكم  الاخوان المسلمين )    ومع كل هذة التضحيات التي شهد بها التاريخ  لاأنكر وجود ما يمكن أن يسمي بالبلادة القومية  . تتختلف درجاتها ارتفاعا و هبوطا بين دولة و أخري  أشعر، بالأسف و الأسي، وأنا أقول  أننا فعلاً مصابين به أو بشكل أدق بدرجة من درجاته  

الفترة الوحيدة التي بدا لنا أننا شُفينا من هذا الداء تماماً  هي الفترة  من 1923إلي 1952 وهي الفترة الوحيدة التي توقف فيها الاقصاء السياسي الذي فُرض علينا من قرون فصنعنا نهضة أذهلت العالم 

إخواني الأعزاء علينا ، أن نسأل أنفسنا الآن: عند أي درجة من درجات مقياس البلادة القومية نعيش؟

آسف جدًا، كنت أتمنى أن أكون أكثر رقة وكياسة في هذا الصباح، ولكن ما العمل؟ حدث المقدر

تعليقات