الجريمة...و اللاعقاب
يحلو لهذا الرجل في بعض الأحيان أن يتحدث كإنسان مثلي ومثلك، أي كائن بشري يعرف أن لبشريته حدًا أدنى من الاستحقاقات لا يمكن تجاوزه، وأنه كائن متحضر. أعتقد أنكم عرفتموه، إنه السيد نتنياهو، رئيس دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، وعدد سكانها 10 ملايين نسمة، وتريد أن تسيطر على منطقة الشرق الأوسط، وتعدادها 515 مليونًا
وبصراحة لا مانع عندي إذا تم كل ذلك بالحق والقانون وبالمعايير الحضارية
سبب هذه المقدمة التي (لا راحت ولا جاءت) هو فيديو بثه هذا الرجل على السوشيال ميديا، وجهه إلى الشعب اللبناني. الغريب أنه يبدو في هذا الفيديو مثلي ومثلك، بل ربما أكثر، فهو يبدو رجلًا آخر شياكة؛ بدلة كاملة وربطة عنق، ووجه لا فرق في إنسانيته عني وعنك، حاجة تشرح القلب
وقال في هذا الفيديو كلامًا جميلًا لا يخرج إلا من بين شفتي إنسان سوي، يده كيد سيدنا موسى بيضاء من غير سوء، وليست ملوثة بالدماء. ودماء من؟ دماء الأبرياء: أطفال وشيوخ ونساء وشباب خلقهم الله ليحيوا لا ليموتوا
وفي هذا الفيديو ذي البريق والمزين بأعلام إسرائيل، لم ينسَ أو يهمل مخرج العرض الثقافة، فهي كما نعرف العمود الفقري لحضارتنا (البائسة)، فأقحم أرففًا ممتلئة بالكتب، وكأنه بسلامته من المهتمين بالقراءة والمعرفة. يعني باختصار إصرار شديد من مخرج العرض على أن يدعمه بكل ما يثبت إنسانيته
قال هذا الرجل في ذلك الفيديو المنشور اليوم على السوشيال ميديا، موجهًا حديثه إلى الشعب اللبناني – وكأن هناك من سلطه عليّ ليفقع مصاريني- :
"انضموا إلى إسرائيل، ابنوا الأمن والازدهار لجميع أطفالنا، نحن نتوق للسلام معكم، سلام يستطيع فيه شعبانا الاستثمار معًا، والبناء معًا، والازدهار معًا."
لاحظوا، استخدم ألفاظًا من تلك التي يستخدمها الآدميون مثل: (أطفال، سلام، ازدهار، أمن، استثمار)
وفي بلدنا ذات العمق الحضاري السحيق نقول: (خليك مع الكذاب لحد باب الدار)
بعد حرب 1948 كانت بيننا وبين إسرائيل هدنة، خرقتها إسرائيل في 54 و55 وفي 1956، ومن الباب للطاق، وبدون أي رد من عبد الناصر، وبدون أي رصاصة توجه إلى الحدود الإسرائيلية، تآمرت إسرائيل على مصر واتفقت مع إنجلترا وفرنسا على أن تهاجم مصر وتستدرج الجيش المصري إلى سيناء لتتم إبادته
على أي الأحوال، هذا صار من التاريخ، ولا مانع عندي أن أعديها
ضربت غزة وفعلت بها ما رأيناه جميعًا، وقالت للعالم إن السبب هو اعتداء حماس على إسرائيل وقتل أكثر من 1500 مدني إسرائيلي، غير الجرحى. ماشي
رغم الفارق المهول بين الجريمة والعقاب، فالجريمة 1500 قتيل، والعقاب 72988 ألف شهيد و173205 ألف مصاب، والاستحواذ على 60% من الأراضي، وهدم كل المباني والعمارات
ومع ذلك نشوف غيرها
حزب الله ليس حزبًا ولا يحزنون، ماشي، تديره وتموله إيران، وتمدّه بالأسلحة، ماشي، ويعلن أن هدف امتلاكه للصواريخ والمدافع وغيرها هو المقاومة. مقاومة من؟ بالطبع مقاومة إسرائيل
وهو يتمركز في الجنوب اللبناني ويهاجم شمال إسرائيل، وردها على ذلك – كعادتها – إبادة الجنوب اللبناني. ماشي، معتدين
صحيح أن الفرق شاسع بين الجريمة والعقاب، لكن هناك اعتداء، والبادي أظلم
يضرب إيران، لماذا؟ لأنها في طريقها لامتلاك سلاح نووي، وهي بلد غير ديمقراطي يحكمها متطرفون، ويُخشى على أمن إسرائيل منها. ماشي
ها أنتم ترون، أنا ماشي مع الكذاب خطوة خطوة
والآن يا سادتي، هناك بلد اسمه سوريا، تم تدمير أسلحته الهجومية والدفاعية، وقادته أخذوا يرسلون قبلاتهم ليل نهار، وعلى عينك يا تاجر، إلى نتنياهو وزبانيته، ومع ذلك نرى رجل السلام والحضارة المدعو بنيامين نتنياهو يضرب سوريا من آن لآخر كنوع من التسلية أو شغل الفراغ (سادية موثقة)، وبيني وبينكم أي دكتور نفساني؟
والآن وصلنا إلى باب الدار: الضفة الغربية
احتلتها إسرائيل بعد هزيمة 1967، وحدث ما حدث من مقاومة لهذا الاحتلال من جانب الفلسطينيين، وانتهى الأمر باتفاق أوسلو وخروج كيان جديد إلى الوجود بالاتفاق مع إسرائيل بقيادة رئيسها إسحاق رابين، اسمه السلطة الفلسطينية
كيان لا هو دولة ولا يملك جيشًا، كما أنه ليس منظمة، وإنما أخذ اسم سلطة، وهو الاسم الذي اختارته له إسرائيل
ورأسه في أول الأمر ياسر عرفات، ثم تلاه ذلك الرجل الطيب محمود عباس (أبو مازن)، رجل مسالم غير عدواني، كل ما يريده هو أن يبقى في كرسي الحكم إلى أن يحملوه على نقالة ليقابل ربًا كريمًا
والرجل وشعبه من المفترض، حسب اتفاق أوسلو، أنه يعيش في حماية الراعي الرسمي لهذا الكيان، وهو إسرائيل، كما أنها، وحسب الاتفاق أيضًا، هي حلقة الوصل بينه وبين العالم اقتصاديًا
يعني أي إيرادات من حقه لا تصل إليه إلا من خلال دولة إسرائيل. مستحقاته من الرسوم الجمركية تدفع لإسرائيل، وهي بدورها تقوم بتسليمها له
ما الذي حدث؟ تتوقف عن سدادها من آن لآخر لتخنقه وتوقف نموه
وفي الوقت نفسه تقوم إسرائيل هذه نفسها بنقل 30 مليون دولار تُسلَّم لها من قبل دولة قطر لتسلمها لمنظمة حماس التي تدعي أنها عدوة لها، ولم يحدث أبدًا أن قصرت في القيام بهذه المهمة السامية: تمويل حماس لتشتري السلاح وتقيم الأنفاق
وهي تعلم، أي إسرائيل، الشقاق القائم بين قيادة حماس في غزة وقيادة السلطة في الضفة الغربية، ومع ذلك لا مشكلة، عديها
أما ذلك الذي لا يمكن أبدًا أن نقفز فوقه، أو يقفز العالم فوقه، فهو ما يحدث اليوم في الضفة الغربية، وما يقوم به المستوطنون بدعم من الدولة الإسرائيلية من فظائع ضد سكان الضفة الغربية:
قتل، ضرب، سجن، خطف للأغنام، تدمير للمحاصيل، ومستوطنات تُزرع يوميًا وسط تجمعات الفلسطينيين
والاتحاد الأوروبي شاهد على ذلك، وهناك عقوبات فرضت على المستوطنات الإسرائيلية، ولكن هيهات
وكما قلت من قبل وأثناء العدوان على غزة: الحرب في غزة، والغنيمة هي الضفة الغربية
والدليل على ذلك هو الزيادة المفرطة في نشاط المستوطنين وهجومهم اليومي على أهالي الضفة الغربية، مدعومين من السلطات الإسرائيلية لتدمير حياة الفلسطينيين، لتجبرهم على الهجرة القسرية أو حتى الانتحار
وسأوافي القارئ الآن بأحدث تقرير للأمم المتحدة، وهو في الحقيقة فضيحة إنسانية بكل المقاييس
وهي حالة تختلف عن حالة غزة وحزب الله وإيران، فكلها تدعي إسرائيل امتلاكها لسبب يبرر توحشها
فأين السبب الذي تمتلكه إسرائيل لتطحن كتلة بشرية مدنية مسالمة لا حول لها ولا طول، وهي منذ نشأتها تحت حماية إسرائيل القانونية بموجب اتفاق أوسلو؟
لا يا سيد نتنياهو، لا حق لك أبدًا أن تكون إنسانًا، وأن تتصدر، كالآدميين، فيديو من هذا النوع وفرته لك الحضارة التي تنكرها وتتبول عليها عيانًا بيانًا
لا يا سيد نتنياهو، لقد سرت معك خطوة خطوة، ووافقتك على ادعاءاتك الظالمة وذرائعك المغلوطة، ولكن ماذا تقول الآن يا رئيس دولة تقول إنها ديمقراطية ومتحضرة؟
أنت كاذب ومزور ومجرم حرب، وذلك بالدليل القاطع وبالوثائق
تقرير الأمم المتحدة:
تُحذر الأمم المتحدة من تفاقم خطير في الضفة الغربية، مشيرة إلى تصاعد عنف المستوطنين المدعوم من السلطات الإسرائيلية، واستمرار العمليات العسكرية التي أدت إلى مقتل وإصابة مئات الفلسطينيين، فضلاً عن سياسات الفصل العنصري والتوسع الاستيطاني التي تدفع نحو التهجير القسري.ترصد التقارير الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أبرز التطورات كالتالي:عنف المستوطنين والعمليات العسكريةارتفاع الإصابات والوفيات: أفادت وكالة الأونروا أن العنف المستمر أسفر عن مقتل أكثر من \(1,090\) فلسطينياً، من بينهم مئات الأطفال، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.هجمات منظمة: وثقت تحقيقات الأمم المتحدة ارتفاعاً حاداً بنسبة 130% في هجمات المستوطنين. وتعمل هذه الهجمات كأداة لتنفيذ سياسة الدولة الرامية لتوسيع المستوطنات وتجريد الفلسطينيين من أراضيهم في المنطقة (ج) والقدس الشرقية.توسع الاستيطان والتهجيرمصادرة الأراضي: تسارعت وتيرة توسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق، مع المصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية وإنشاء بؤر جديدة غير مرخصة.التهجير القسري: أدت الهجمات والقيود إلى تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية بالكامل، لا سيما من قبل التجمعات البدوية والرعوية، مما أدى إلى تشريد آلاف الأشخاص.تقييد الحركة والتمييز المنهجيالعقبات والحواجز: يواجه الفلسطينيون بيئة خانقة بسبب تزايد الحواجز العسكرية، والبوابات، والتفتيش الذي يعرقل الوصول إلى سبل العيش والمدارس.الفصل العنصري: تحذر مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن الممارسات والسياسات الإسرائيلية تنتهك القانون الدولي، وتستدعي تدخل الدول لحظر نظام الفصل العنصري والتمييز، مع هدم المنازل وإصدار أوامر إخلاء تعسفية
تعليقات
إرسال تعليق