زورق الجمال و القبح


هذه فاتنةُ الدُّنيا وحسناءُ الزمانِ

بُعِثَتْ في زورقٍ مُسْتَلْهمٍ من كلِّ فنِّ

مَرحِ المجدافِ يختالُ بحوراءَ تُغنِّي

يا حبيبي، هذه ليلةُ حُبِّي

آهِ لو شاركتَني أفراحَ قلبي

أبيات بالغة الجمال، نظم بلدياتي الشاعر العظيم علي محمود طه، ويتغنى بها محمد عبد الوهاب مقدمًا لنا كليوباترا بقوله: "هذه فاتنة الدنيا وحسناء الزمان". وقفت أمام هذا التوصيف مشدوهًا، وتساءلت: ماذا يمكن أن يكون عليه جمال فاتنة الدنيا وحسناء الزمان هذه؟

وكما فعل عبد الحليم حافظ: "أخذت أبحث عنها في كل مكان"، ولما أعياَني البحث أخذت أستلِق شفاهًا من هذه، وأنفًا من تلك، وحواجب من هذه، وخدودًا من تلك، ثم وقفت حائرًا: من أين آتي بالعيون الحوراء، وهي العيون الواسعة شديدة البياض شديدة السواد، والتي عندما تنظر إليها تتوه في فيافي الوجود؟ بحثت عنها، وأخيرًا وجدت اللؤلؤة المنشودة، وكانت عيون مغنية لبنانية شهيرة تصدرت الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، هي سميرة توفيق. ألحقتها بمجموعتي الفريدة، وصنعت (كوكتيل) أو نموذجًا بالغ الجمال، أهرع إليه كلما احتجت إلى ما يملأ فراغ روحي بالأنس، وبالطبع وضعت هذا الجمال في زورق علي محمود طه المُستلهم من كل فن، ومجدافه الممتلئ بالمرح والخيلاء كونه يحمل هذه الدرة الغالية التي يسبح بها في بحيرة فضية المياه

وظلت هذه الصورة تلازمني حتى أمس، إذ شعرت بها تتوارى ويحل محلها زورق بالغ القبح، على جانبيه ارتسمت صور مستلهمة من كل شر: رؤوس مقطوعة، وأذرع وسيقان متناثرة، ويسبح في بحر من الدماء، ومجدافاه ساكنان صامتان غارقان في الحزن والأسى، وقد تحول صوت صرير حركتيهما إلى أنين موجع

أما من حل محل فاتنة الدنيا وحسناء الزمان وباعثة الطاقة الإيجابية هذه، فهو كائن وحشي الطباع اسمه فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، ابن الثالثة والسبعين عامًا، الذي بدا مرحًا سعيدًا ممتلئًا بالحيوية، مستمتعًا بالحياة، وكأنه في العشرين من عمره

تساءلت: من أي منبع انحدرت كل هذه الدماء؟ آه، إنها دماء الشباب الروسي والأوكراني، والمجازر الدائرة على أراضي كل من البلدين. وتساءلت ثانية: لماذا تلاشى الجمال وحل القبح؟ لماذا رحلت الحياة وحل الموت؟ لماذا رحلت السعادة وحلت الآلام؟

ولم يكن سبب هذا التحول الخطير الذي حل بي إلا خبر غريب وعجيب يقتحم هذه التراجيديا المؤلمة، والذي لا يعكس وحشية هذا الرجل فقط، بل ويعكس وحشية عالمنا المعاصر. الرئيس بوتين يرصد 26 مليار دولار للأبحاث الخاصة بمقاومة الشيخوخة وإطالة عمر الإنسان، وجند أعظم علماء روسيا من أجل تحقيق ذلك، ومنهم ابنته (ماريا فورونتسوفا)، وقد انكبوا من فورهم على البحث. ومن أسباب سعادته أنهم وعدوه بنتائج جيدة قد تطيل عمره في عام 2030، أي عندما يصل عمره إلى 77 عامًا، وبالتالي سيمتد عمره، قل 30 أو 50 أو 70 عامًا، من يدري؟ ومن هنا كانت سعادته الغامرة. دفع من أجل إطالة عمره 26 مليار دولار، ويدفع الآن مئات المليارات من الدولارات من أجل قصف عمر الشباب الروسي والأوكراني وحرمانهم من حقهم في استمرار حياتهم واستمتاعهم بها

هل يمكن أن يفعل أب أو جد هذا ببنيه؟ وهل يمكن أن يكون الحاكم إلا أبًا أو جدًّا للرعية؟

هل يمكن أن يكون هناك أنانية أكثر من ذلك أو أحط من ذلك؟

وبالطبع لا بد أن تكون وصلته تقارير تخبره أن قصف عمر الشباب الروسي بهذه الكثرة بلغ درجة عالية وخطيرة، وأصبح الجيش في حاجة إلى مزيد من الشباب، إلى جانب أن المجتمع الروسي سيشيخ قبل الأوان ويصبح أقل إنتاجية

ولأن هذا الرجل يملك حلًّا لكل مشكلة، بشرط أن يكون حلًّا دمويًّا، لذلك فتح الباب على مصراعيه للمتطوعين من البلاد الأخرى، ومنها مصر وسوريا ومعظم بلاد أفريقيا التي يطحنها الفقر، وأعلن أن الدعوة عامة والباب مفتوح أمام كل شباب العالم ليرمي بنفسه في أتون هذه المذبحة التي تجاوزت المحلية لتصبح عالمية

هذا هو عالم اليوم. انظر له في روسيا وأوكرانيا ولبنان وغزة وإيران، وهذا الرجل سعيد ويريد أن تطول حياته إلى الأبد ليستمتع أكثر بآلام العالم

هذا هو واحد من أهم رؤساء عالمنا، يقصف عمر الشباب ويحرمه من الحياة، بينما يتكالب عليها هو بدرجة عالية من التبجح

إذا لم تكن هذه هي السادية، فماذا تكون؟

وسؤال أخير لا أستطيع أن أمنع نفسي من سؤاله: ماذا لو أن هذا الرجل أخذ بالخيار الآخر الذي أخذت به المجر وتشيكوسلوفاكيا وسلوفينيا والبوسنة وألمانيا الشرقية وبولندا وجورجيا وغيرهم، وانضم هو وأوكرانيا وبيلاروسيا إلى الاتحاد الأوروبي باعتبارهم من نفس العرق، وصنعوا معجزة أوروبية جديدة ما كان يمكن أن يقف أمامها أي من الدول مهما كبرت؟

ألم يكن من الممكن الآن أن يحتفل هو والعالم معه بتلك المبادرة العظيمة، وهي التغلب على مشكلة الشيخوخة والعمل على إطالة عمر الإنسان؟ ووقتها كان العالم كله، وأنا في مقدمته، سيحسب له مبادرته هذه، ونرفع نحن جميعًا قبعاتنا لهذا الرجل باعتباره محبًّا للحياة والبناء، وكارهًا للموت والهدم

تعليقات