اعتقد أننا كشعب في حاجة إلى الاعتراف بأننا نعيش حالة من التخاذل الفكري أو حالة من العجز الفكري قد تكون نتيجة لحالة من الإحباط ذات مرجعية سياسية واقتصادية، فلا أظن أن أحدًا منا في مثل هذه الظروف مستعد لسماع أو التعرف على أصل الحكاية، وهذا سيجعلنا كشعب – أيضًا – نستمرئ تلك الانتكاسة ونستحلي ذلك التعفن الفكري والثقافي، وأصل الحكاية أننا لأكثر من سبعين عامًا نعيش تحت رحمة نظام يتكون من ثنائي الناصرية والإخوان المسلمين، الناصرية في الموالاة (في الحكم) ، وما يسمى بالإسلام السياسي أو الإخوان المسلمين (في المعارضة)، واسمحوا لي ببعض التفسير:
عندما أقول الناصرية فأنا أعني نظام جمهورية السبع أعمدة:( الحكم الفردي، القمع الأمني، الإعلام الموجه، الدستور المنتهك، الحزب الواحد، المجلس النيابي فاقد الندية، وزراء التكنوقراط ماركة "تمام يا فندم". )سيدهش البعض وربما يستنكرون توصيفي هذا باعتبار الإخوان المسلمين (الإسلام المُسيس) طرفًا في الحكم رغم أنها لم تشارك فيه أبدًا، فكيف والحال كذلك أن تكون مسؤولة عن النتائج؟ وهنا ينبغي أن نوضح أمرًا أعتقد أنه بالغ الأهمية، وهو أنه لا موالاة (في الحكم) أبدًا بدون معارضة؛ إذا وجدت الموالاة ،وجدت المعارضة، وحسب توصيف الفيلسوف الألماني هيجل: "حيثما وجد الوضع فلابد من وجود النقيض"، وأيضًا حسب ثنائية الخلق التي تقوم عليها ديناميكية الحياة: الأبيض والأسود، القوي والضعيف، الطيب والشرير، البهجة والكآبة، النبيل والحقير، والنظيف والقذر، إلخ
ولكن المشكلة ليست في وجود النقيض، فهو موجود بحكم الخلق، ولكن المشكلة في مدى قوته؛ فالمعارضة إذا لم تمتلك قوة فهي محض آراء أو وجهات نظر، والإسلام المُسيس (الإخوان المسلمون) جماعة منذ نشأتها وهي تعمل على امتلاك القوة، وهي تختلف في ذلك عن جماعة الشبان المسلمين مثلًا أو ما كانت تسمى الجمعية الشرعية، إلخ. وبسبب امتلاكها القوة منذ نشأتها وهي "تلعب" سياسة؛ فتشترك في المظاهرات ، تشعل المظاهرات وتحرض عليها أحيانًا ، تنحاز في الانتخابات لمن تريد من أحزاب الأقلية، تقوم بالتفجيرات والاغتيالات حتى قبل أن يصدر قرار من النقراشي بإلغاء ترخيصها كما كان الحال في السابق
ومن المعروف تاريخيًا أن جماعة الإخوان هذه هي صاحبة فكرة تنظيم الضباط الأحرار، وجمال عبد الناصر شأنه شأن خالد محيي الدين وغيرهم كانوا أعضاء في هذه الجماعة وحلفوا اليمين إياه، ودور الإخوان في أحداث 23 يوليو 1952 معروف وموثق، ودورهم في إسقاط الليبرالية المصرية معروف وموثق، ونفس الشيء يقال على الشيوعيين وأحزابهم مثل حزب مصر الفتاة والحزب الشيوعي، وقد كان بينهم وبين الليبرالية المصرية صراع وجود، شأنهم في ذلك شأن الإخوان المسلمين؛ لا يمكن لأي منهما أن يصل إلى حكم البلاد إلا بإسقاط النظام الليبرالي، وكل منهما يحرض الشعب بطريقته الخاصة: الإخوان بصفتهم رجال الله ويحكمون بكتاب الله، ويرفضون الأحزاب لأن لها تاريخًا في محاربة النبي صلي الله عليه و سلم في غزوة الأحزاب (خلط للأوراق لم يتعففوا عنه)، وهم أيضًا ضد الشيوعيين الذين ينكرون وجود الله، والشيوعيون يحاربون الليبرالية باعتبارها تعتمد في وجودها على الإقطاع والرأسمالية الظالمة، أما هم فيسعون إلى العدالة الاجتماعية وإنصاف الفقراء من ظلم الأثرياء
وبعد أحداث 23 يوليو 1952 ونشوب الخلاف بين الإخوان ومحاولة اغتيالهم جمال عبد الناصر، حل الجماعة ووضع قيادتها في السجون، وفي مرحلة تالية فعل نفس الشيء مع الشيوعيين، ولكن تم عمل تسويات بين الشيوعيين والناصريين باستخدام رشاوى المناصب التي منحها الناصريون لمن جاهروا بنبذهم للشيوعية وتحولهم للاشتراكية. ونظرًا لعدم وجود ظهير شعبي كبير لهم انتهى أمرهم وذابوا في الناصرية وتحالفوا مع الناصريين، أما الإخوان المسلمون فظلوا على قيد الحياة وإن اختفوا عن الأنظار، فظلت معارضتهم على حالها ولها نفس القوة ولكن في الخفاء (تحت الأرض)
ومن هنا تشكل ذلك الثنائي الذي بدأت به حديثي: الناصريون فوق الأرض (الموالاة) والإخوان المسلمون تحت الأرض (المعارضة) ؛ الموالاة تحاول البناء (الناصريون)، والإخوان المسلمون تحاول هدم ما يبنوه عن طريق التأثير على الشعب لأن نجاح الموالاة هو سد الطريق أمام وصولهم للحكم. واستمر الأمر على هذا الحال: تارة تدخلهم الموالاة السجون، وتارة أخرى تخرجهم منها وتسمح لهم بالحركة في الشارع المصري، وكلنا يعرف التأثيرات السلبية التي نتجت عن هذا الصراع الخفي بين الطرفين، التي يمكن في النهاية أن نطلق عليهم "الإخوة الأعداء"، فأحيانًا يتخاصمون وأحيانًا أخرى يتحالفون، والنتيجة هي الفشل الدائم
والأمر الآن لا يزال على هذا الحال: نظام السبع أعمدة في السلطة، والإخوان المسلمون في السجون، وخلاياهم النائمة تلعب في مخ ووجدان الشعب المصري وتعمل على إسقاط النظام في الداخل، وتسلط عليه القنوات الفضائية من الخارج، وبأموالهم وتنظيماتهم في الخارج يحاربون النظام ويحاولون تلويث سمعته أمام المجتمع الدولي، وتمنعه من الوصول إلى الطريق الصحيح، وهو طريق الليبرالية التي تحالف الطرفان الناصريون والإخوان على اغتيالها، وبمساعدة الشيوعيين في 1953، واستمروا في كتم أنفاسها حتى اليوم
ولكن السؤال: هل أدرك الشعب المصري ذلك؟ هل اقتنع أن العمر الافتراضي لهذا التحالف انتهى؟ لا أظن، فالدعاية المغرضة ضد الليبرالية والأحزاب مستمرة حتى تاريخه، ووصم العلمانية أنها كفر – وهي من هذا الاتهام براء – ما زالت مستمرة، وبين نظام السبع أعمدة (الجمهورية الأولى التي أسسها عبد الناصر) وبين الإسلام المُسيس (الإخوان المسلمون وغيرهم والأصوليون)، يا قلبي لا تحزن
هل يفكر أحد في صحوة ليبرالية علمانية؟ لا أظن، وداعًا، ولنقرأ الفاتحة على العصر الليبرالي العلماني: 30 عامًا من 1923 إلى 1953، توقف فيها الإقصاء السياسي تمامًا وشارك المصريون في حكم بلدهم، صنعنا فيها معجزة لن يقدرها المصريون إلا إذا شفاهم الله وعافاهم من غسيل المخ الناصري والإخواني والأصولي الذي استمر لأكثر من 70 عامًا
فهل نضع أيدينا في أيدي بعض ومعنا الدولة المصرية وفي قمتها الرئيس السيسي كي نقهر هذا التحالف ونصنع الجمهورية الثانية الليبرالية العلمانية الدستورية؟ من يعلم، نحن على الأرض والله عز وجل في السماء ويعلم مدى عدالة قضيتنا ونقاء سريرتنا، وأن طلبنا وسعينا نحو الحرية لن يكون إلا من أجل زيادة إيماننا به عز وجل
هلموا بنا إخواني الأعزاء، مصر تنادينا، تستصرخنا، فهيا بنا يا أبنائي نبني الحياة بمنتهى الحرية وبلا شروط مسبقة ممن يدعون أنهم أنصار الله ووكلاؤه على الأرض.
تعليقات
إرسال تعليق