الأيديولوجية العمياء

 


لا نجاة لنا بغير جلد الذات، أو إماتة النفس (لبعض الوقت) كما يسمونها في علم النفس. قد يظن البعض أني أتيت "بالديب من ديله". أقسم أنها بديهية يمكن لكل ذي عينين أن يراها، ومع ذلك غابت عن بصرنا وبصيرتنا. وإذا كان هلاكنا الحالي ناتجًا عن تمجيد الذات، فماذا يكون العلاج إلا جلد الذات؟

افتح المذياع بعد نشرة الحادية عشرة مساءً، سيخرج عليك صوت قوي واثق فخم يقول: "كتاب عربي علم العالم"، ثم يقدمون لك تمثيلية تلخص المسيرة الذاتية لواحد من أعلام العرب: ابن سيناء، أو الرازي، أو الخوارزمي إلخ. وهذا شيء لا غبار عليه، ولكن المشكلة في التكرار يوميًا وعلى مدار عشرات السنين. ولا اعتراض لي على ذلك، ولكن اعتراضي على الإفراط. وهذا مجرد نموذج لما نفعله بأنفسنا، وإصرارنا على أن نعيش الماضي بأمجاده ونهمل الحاضر بمرارته. ولسنا نحن فقط من يفعل ذلك، بل كل البلاد العربية والإسلامية تعيش في هذه الأمجاد الغابرة وتتحدى بها إنجازات مرعبة تحققها الأمم الأخرى اليوم 

انظر إلى إعلامنا: تمجيد من لا يستحق التمجيد، وتكريم من لا يستحق التكريم، ويدور في اتجاه واحد ليل نهار كالساقية الخربانة

صدق أو لا تصدق، إسرائيل هي من أكثر بلاد الأرض استفادة من تجاربها الأليمة. تدرسها وتحللها بحيدة فائقة، ولا تقف عند وضع يدها على ما فيها من دروس، وإنما تحول هذه الدروس إلى خريطة عمل وتعطيها صفة الاستراتيجية تسير عليها في صنع الحاضر والمستقبل

*حرب 73 مع مصر*

الدروس:

شعب مصر أكبر من أي هزيمة.

تعداده يساوي 10 أضعاف شعب إسرائيل.

موقعه على الحدود الغربية لإسرائيل.

تقييمه هو الأخطر من بين كل جيران إسرائيل.

خريطة العمل: نتائج حرب 73 لا تتكرر أبدًا

تستبدل حرب 73 بحروب الجيل الرابع، تكسيح الشعب المصري في المجالات التالية: المياه، التعليم، صحة الشباب، الاقتصاد، الفكر، الثقافة، النظام السياسي، الجيش المصري، التسليح. المباعدة بينه وبين خاصية الاحتراف كما كان عليه الحال في 1973. العمل على إعادته إلى نهج ما قبل 73 من حيث تشتيت اهتماماته لتشمل الاقتصاد والسياسة والدين

على مستوى الرئاسة: لا سادات مرة أخرى، نسخ من عبد الناصر أو غيره

على مستوى العلاقة بأمريكا: الوقوف في وجه أي علاقات قوية بين مصر وأمريكا، وبالذات بين الشعب المصري والشعب الأمريكي، والعمل على خلق عداوة دائمة. العمل على أن تكون إسرائيل هي حامية المصالح الأمريكية بدلًا من الاعتماد على الدول العربية

لا نيكسون آخر، ولا كارتر مرة ثانية، فكان ريجان، لا بوش الأب ولا بوش الابن ولا بيل كلينتون، فكان أوباما وما تلاه

على المستوى التكنولوجي والسيبراني تفوق مذهل، المخابرات تفوق مذهل. التسليح أصبح لها الريادة اليوم فيما استُحدث من تكنولوجيا الدم مثلًا:

الطائرة F-35 يشارك في إنتاجها إلى جانب أمريكا: إنجلترا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، وإسرائيل. يشاركون في الفكرة والتصنيع. على سبيل المثال: المواتير تصنعها شركة رولز رويس البريطانية، إلخ.

عرضنا في السابق الدرس وخريطة العمل (الاستراتيجية) التي خرجت بها إسرائيل من حرب 73 وأخذت تعمل بها من تاريخه، فصار ما صار عليه الحال اليوم

فما هو الدرس والاستراتيجية التي خرجت بها مصر من حرب 73؟


الدرس: باقي زكي هدم الساتر الترابي بخرطوم مياه، وذلك بدون استخدام القوة الخشنة (المدافع) وإنما باستخدام القوة الناعمة. فأين قوتنا الناعمة اليوم؟

لست مؤهلًا من حيث الخبرة أو الدراسة أو المعلومة لكي أقرر ما إذا كان جيشنا في تسليحه وعقيدته وحرفيته قد تجاوز ما كان عليه حاله في عام 1973 وأصبح على القدر اللازم من المعاصرة أم لا، وإن كنت أعتقد أنه كذلك الآن 

أما باقي العناصر مثل:  

المياه: لا تعليق.  

التعليم: لا تعليق.  

الثقافة: لا تعليق.  

الاقتصاد: لا تعليق.  

الإدارة: لا تعليق.  

الديمقراطية: لا تعليق.  

الإعلام: لا أملك أن أمنع نفسي عن التعليق حتى لا يرتفع ضغطي إلى حد الموت. كل مرة منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أشاهد فيها قناة النيل للأخبار، فإذا بهم يأتون بضيف يشيد بصمود إيران وقدرتها على الرد وقدرتها على التفاوض، ولا يشيرون أبدًا إلى هدمها لنفسها وتخريبها لما أنجزته في الماضي. ونفس الشيء بالنسبة لحماس وحزب الله والحوثيين إلخ. ولا يدرك هؤلاء الذين يشرفون على الإعلام لدينا ويفتحون القنوات والإذاعة المصرية لهم ولأمثالهم أنهم وبطريق غير مباشر يدينون مصر لأنها لا تقدم على الانتحار ولا تتقدم بجسارة لتدمير الذات 

يريدون السيسي بتعقله وقراءته الصحيحة للموقف أن يصبح عبد الناصر آخر، رائد تدمير الذات. ارحموا مصر وارحموا أنفسكم، وتعالوا نصنع حائطًا للمبكى نذهب إليه نبكي عنده حزنًا وندمًا على ما فعلناه ونفعله في حق أنفسنا وأبنائنا وأجيالنا اللاحقة. صدقوني لو نفعلها مرة كل عام لحرصنا على إنقاذ أنفسنا وسرنا جميعًا في الطريق الصحيح، طريق البناء والازدهار، لا طريق الأيديولوجية العمياء.

ويبقى السؤال: أين الاستراتيجية المصرية المضادة للاستراتيجية الإسرائيلية؟ مع ملاحظة أننا نتكلم عن استراتيجيات وليس عن حرب، فالسلام أيضاً يحتاج إلي من يدافع عنه و يحميه


تعليقات