رأينا ورأى العالم هذا المشهد المؤلم، الذي أرى أنه استنساخ لمشهد آخر لا تزال البشرية تبكي كلما تذكرته: إنسان بالغ الرقة، بالغ الأدب، هو كتلة من الحب، أراد أن يعلم قومه الحب، فماذا كان مصيره؟ أقاموا لأجله صليبًا، ونصبوا جسمه الرقيق عليه، ثم ثبتوه بالمسامير. إنه عيسى ابن مريم، قول الحق كما وصفه الله عز وجل في القرآن الكريم
لا أشك أن الرجل الذي تزعم كتيبة الإعدام هذه لا يختلف في تركيبته النفسية والأخلاقية عن ذلك الكائن البشع إيتمار بن غفير، ولا أشك أن من أمسك بالمطرقة وأخذ يدق المسامير في الأطراف الرقيقة لهذا الإنسان العلوي أو السماوي، لا يمكن أن يمتلك قلبًا بشريًا مثلي ومثلك، بل لا بد أن يكون قلبًا حجريًا كذلك الذي يمتلكه هذا الكائن البشع إيتمار بن غفير
لكن لماذا شبهت أبطال أسطول الصمود الـ430 بالسيد المسيح عليه السلام؟ هي حسبة بسيطة جدًا تقوم على قسمة عدد 1 على عدد أبناء البشرية قبل الميلاد، وننظر لنرى كم ستكون النسبة المئوية، سنجد بالتأكيد أنها نسبة متناهية الصغر، يتعامل معها الرياضيون بقولهم: يمكن إهمالها. وتعالوا نقسم 430 على عدد البشرية اليوم، 8.2 مليار، ونرى النتيجة، سنجد أنها تقترب وربما تتساوى مع الحسبة الأولى (حسبة ما قبل الميلاد)، أي يمكن إهمالها. نعم، إنها قسمة متناهية الصغر، لكنها في نظري نسبة مقدسة؛ لأنها منسوبة للسيد المسيح عليه السلام
هؤلاء الـ430 ناشطًا إنسانيًا فعلًا هم كائنات مقدسة، ومن يمنحهم هذه الصفة ليس أنا، وإنما ما يمثلونه من ندرة؛ فهمهم الأول والأخير هو الإنسان، بصرف النظر عن عرقه وجنسيته ولونه ودينه. وصدقوني، كما كان عارًا على البشرية أيام المسيح أن تكون نسبة الإنسانية فينا بهذا القدر، فإن الأمر اليوم، وبعد كل هذا التطور، وبعد كل هذا العلم، ورغم الديانات التي نغطي وحشيتنا بها، ما زالت النسبة متدنية إلى هذا الحد: 430 فردًا : 8.2 مليار فرد
لكن رغم هذه المحنة التي نعيشها اليوم، ممثلة في القتل ورائحة لحم الإنسان المحترق التي تفوح في جو القارات، ورغم الهدم المتعمد للمباني التي تؤوي الإنسان وتحطيم كل ما بناه، إلا أن هناك رغم ذلك شيئًا إيجابيًا، هو مشهد هذا الرجل، إيتمار بن غفير، وهو يعرض يديه الملوثتين بالدماء على العالم؛ مشهد يصح أن نسميه: الرجل والجريمة. نعم، الرجل وجريمته في مشهد واحد، وهو يتباهى بها أمام العالم وعلى شاشات التلفزيون. ألا يمكن اعتبارها وثيقة ساقها الله إلينا لنعرف حقيقة هذا الكيان الصهيوني اللعين؟
وأنا بدوري، وعلى صفحتي المتواضعة تلك، أقول للعالم، بل للبشرية جمعاء: لقد حصحص الحق. هؤلاء هم الناس الذين بكينا من أجلهم، مسلمون ومسيحيون ويهود وهندوس وبوذيون وبهائيون وإيزيديون وملحدون، وذلك بعد جريمة الهولوكست، وقررت أيتها البشرية أن تزرعي هذا الكيان المتوحش في لحم وعظام شعب آمن بالغ الصغر اسمه الشعب الفلسطيني، وها هي الحقيقة عارية أمامكم
ولكن أسفي وحسرتي على هذا العالم: ألا يظهر للعيان إلا واحد هو السيد المسيح مقابل تعداد ما قبل الميلاد، ولا يظهر في عالم اليوم إلا 430 ناشطًا سياسيًا مقابل بشرية عددها 8.2 مليار؟ هل نحن نتقدم أم نتأخر؟ سؤال على كل منا أن يسأله لنفسه، ولأنه بلغ اليأس مداه، فلن أسأله لأحد غير الذكاء الاصطناعي
تعليقات
إرسال تعليق