اثنان مليون ومائتان ألف فدان هي مساحة مشروع الدلتا الجديدة، وللمشروع كل الحق أن يُخلع عليه هذا الاسم "الدلتا الجديدة"، لأنه يمثل نحو 21% من الأراضي المزروعة حاليًا، فرحت، وقلت لنفسي كما أن هناك شيفونية قومية (تطرف قومي) هناك شيفونية تنموية (تطرف تنموي)، ولِعَيب جيني في تفكيري وجدت نفسي أقول لا يكفي أن تريد، لابد أن تستطيع، ولأني قرأت الخبر في الصحيفة التي اعتدت قراءتها، الأهرام، أخذت أبحث عن تفاصيل أكثر، فعرفت أنه عبارة عن محطات رفع عملاقة، رفع ماذا؟ لم يقولوا، لكن بسبب أني على قدر طيب من الذكاء قلت لابد أن يكون المرفوع هو الماء، لكن واصلت جيناتي غرس عصاها في جنبي أسأل: من أين سيأتي هذا الماء؟ فحصتنا 55 مليار متر مكعب محددة، ونحصل عليها سنويًا، وعلى أتم الاستعداد للموت في سبيلها إن حاول أي طرف المساس بها
فحصت صحيفة الأهرام فلم أعثر على ما يشفي غليلي، وهذا حال صحافتنا اليوم، لا تعطيك كقارئ ما تحتاج إليه من توضيحات، فتحت النت وبحثت، وقال لي سيادته المصدر هو الصرف الزراعي، يعني ببساطة المياه التي تنسب إلي الـ55 مليار، وتُروى بها الأراضي الزراعية، تتسرب، وممكن جمعها في آبار مثلًا، ثم تُرفع بعد ذلك لتُروى بها الأراضي الجديدة، هذا حسب فهمي المحدود، يُضاف إلى ذلك حسب النت المياه الجوفية، لكن عقلي الزنخ اللي مش هيجبها البر قال لي: الصرف الزراعي هو بالطبع مصدر من مصادر المياه الجوفية، معقول، ولكن العصاة استمرت مغروسة في جانبي أسأل: ألست أنت من تقول طول الوقت استحضروا التاريخ وضعوه جنبا إلي جنبا على الطاولة مع الحاضر؟ قلت آه، أين التاريخ؟
كان هناك مشروع اسمه توشكى، ما وضعه الآن؟ نجح؟ فما أسباب نجاحه؟ فشل؟ فما أسباب فشله؟
كان هناك مشروع اسمه فوسفات أبو طرطور، نجح؟ فما أسباب نجاحه؟ فشل؟ فما أسباب فشله؟
كان هناك مصنع لإنتاج الطائرات، توقف الآن وأصبح ينتج أشياء أخرى، لن يدهشني لو كان من بينها حفاضات للأطفال، لماذا توقف؟
هناك مشروع اسمه مصنع الحديد والصلب، توقف، لماذا توقف؟ يقال أن دراسة الجدوى من البداية لم تكن موفقة، ودارت الأيام وانكشف الغطاء الدعائي، وبقي الكيان الاقتصادي الفاشل، لماذا فشل؟
كان هناك مصنع للسيارات، وهرونا حديث عن توطين صناعة السيارات في مصر رغم أنها متوطنة فعلًا الآن في المغرب، ومصنع النصر للسيارات هذا أُنشئ عام 1959 قبل أن تعرف المغرب الصناعة برمتها، لماذا فشل؟
كان هناك مصنع لصنع إطارات السيارات أُنشئ في أربعينيات القرن الماضي، كان منافسًا لإطارات ميشلان وبريدجستون، توقف، لماذا توقف؟ و صناعة ناجحة جدا في مجال الدواء لماذا تقلصت ؟ وغيره وغيره
هل هناك دراسة جادة طلبتها الدولة من جهات البحث حتى توضع على طاولة الحاضر؟ لا شيء من هذا، ولماذا نذهب لمشروع عظيم كهذا في شكل زفة وطبل وزمر؟ ولا أدري كيف توفرت الآن جوقة الطبل والزمر والزغاريد، كيف تركت زفة العاصمة الإدارية وهرولت إلى الدلتا الجديدة؟ هل الراقصون والمطربون بهذه الكثرة؟ صحيح، صدق من قال: عمار يا مصر
الشيء الغريب أن كل هذا جرى في رأسي بعد أن شاهدت للمرة العشرين بالأمس فيلم الإرهاب والكباب لذلك العبقري وحيد حامد، حيث استطاع بجبروته الدرامي أن يضع الدولة المصرية ممثلة في شخص وزير الداخلية (كمال الشناوي) "تحت"، وأن يضع الشعب المصري ممثلًا في (عادل إمام) الثائر على بيروقراطية الدولة" فوق" ، ويدور السجال بينهم، بين المواطن الذي فوق والدولة التي تحت، في مكاشفة صريحة و جريئة لا يمكن أن تتحقق إلا في السينما أو الأحلام، فالوضع الصحيح الدولة فوق والمواطن تحت
أما ما أرجوه هو أن تكون الدولة و المواطن علي مستوي واحد و يكون من حق المواطن أن يطرح كل ما يريد من أسئلة أما أن تجيب الدولة فهذا يفوق طموحي
و قد عُرض هذا الفيلم العظيم في عصرالرئيس حسني مبارك، وسُمح به في هذا العصر، وقاد إلى ثورة على الجمهورية الأولى التي أسسها جمال عبد الناصر بأعمدتها السبعة (الحكم الفردي، القمع الأمني، الإعلام الموجه، الدستور المنتهك، الحزب الواحد، ومجلس النواب فاقد الندية، ووزراء التكنوقراط ماركة "تمام يا فندم")، وكادت تسقط بفعل شباب جديد أراد الحرية لبلاده (الديمقراطية)، لكن هيهات أن تتراجع تلك الجمهورية العدوانية، فأمسك بها محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين بأيديهم وأسنانهم، وكان ما كان، وكان ما كان، وكان ما كان، وكان ما كان
تعليقات
إرسال تعليق