وَسَقَطَتِ اللِّيبراليّةُ المصريّةُ غيرَ مأسوفٍ عليها مِن عامّةِ الشَّعب، وبفرحةٍ غامرةٍ مِن مَن عملوا على إسقاطها، أي هؤلاء الذين ظنّوا أنَّ الأمرَ خرجَ مِن يدِ الأحزابِ والملكِ وصارَ لهم، ولم يُدركوا – ربما حتى تاريخه – أنَّ ما كان في حوزتهم قدِ انتُزعَ منهم، وأنَّ الإقصاءَ السياسيَّ الذي تخلَّصتْ منه مصرُ في الفترةِ اللِّيبراليّةِ قد خيَّم عليها مرّةً أُخرى، ولكن بيدِ بنيها هذه المرّة، أو كما يُقال فلذاتِ كبدها. هلَّل الجميع: إخوانٌ مسلمون، شيوعيون، بعضٌ من سواقطِ القيدِ اللِّيبراليين، والعسكريون، وحشودٌ لا حدَّ لها من الناسِ الطيّبين حسني النيّة، وكلّهم استغرقتهم اللحظةُ وأسكرهم النصرُ الرخيصُ الذي تحقّق، ولأنهم لا يملكون إجابةً لهذا السؤال: ماذا بعد؟
كان الوحيدُ الذي يعرف إجابةَ هذا السؤال هو جمال عبد الناصر، وهذا شيءٌ طبيعيّ لأنه هو مؤسّسُ تنظيمِ الضبّاط الأحرار و(صاحب الليلة)
ثبت فيما بعد أنَّ خطواتِه كانت محسوبةً بعناية، وكلٌّ منها يؤدّي إلى ما بعدها:
1-وضع دميةً (سيمةً وقيمةً) على القمّة هو اللواء محمد نجيب
2-وضع صديقَ عمرِه طيّبَ القلب المجدّع وصاحبَ صحبته عبد الحكيم عامر على رأسِ الجيشِ المصري بعد ترقيته فورًا من رتبةِ صاغ إلى رتبةِ لواء، على عكس كلّ التقاليد والأعراف العسكرية
3-بينما كان كلُّ أعضاءِ مجلسِ قيادةِ الثورة يعتقدون أنَّ اجتماعاتِ مجلسِ قيادةِ الثورة هي حجرُ الزاويةِ الوحيد في حكمِ البلاد، كان جمالُ عبد الناصر – رغم أنه يجلسُ معهم على نفس الطاولة ويلعبُ معهم بنفس الورق – إلا أنه كان يلعبُ لحسابِ نفسه، وذلك بخلقِ ظهيرٍ شعبيٍّ له يقوده عملاءُ يأتمرون بأمره، وعلى رأسهم أحمد طعيمة، وإبراهيم الطحاوي، وسيد قطب (قبل أن يصبح داعيةً إسلاميًّا)، وهم مسؤولو هيئة التحرير؛ يقول لهم: احشدوا الجماهير، فيحشدونها فورًا في السرادق الذي يريده
4-وبدون علمِ مجلسِ قيادةِ الثورة، دفع رشوةً قدرها 3000 جنيه من جيبه الخاص إلى الصاوي أحمد الصاوي رئيس نقابة عمال النقل في القاهرة ليحشد العمال في مظاهرةٍ أمام مجلس الدولة يهتفون فيها بسقوط الديمقراطية والحرية والأحزاب، وصاحبُ هذه الرواية هو عبد اللطيف البغدادي (عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية الأسبق)
ولمن يهمّه ذكرُ عبد اللطيف البغدادي، هذه الرواية أيضًا، وهي أن :
جمال عبد الناصر أقرّ بتدبير 6 انفجارات وقعت في وقتٍ واحدٍ في أماكن متفرّقة من القاهرة، شملت الأماكن مبنى محطة السكة الحديد، وموقعين بالجامعة، ومحل جروبي. حيث يروي "البغدادي" أنه في يوم الأحد 21 مارس 1954، زاره وزملاؤه (كمال الدين حسين وحسن إبراهيم) في منزله، فأبلغهم صراحةً أنه من دبّر هذه الانفجارات. وقد صرّح عبد الناصر بأن الهدف من ذلك كان إثارة البلبلة وبثّ الشعور بعدم الأمان والطمأنينة لدى المواطنين، ولإشعارهم بالحاجة إلى من يحميهم. وقد أشار خالد محيي الدين (عضو مجلس قيادة الثورة) أيضًا إلى هذه الواقعة في كتابه "والآن أتكلم"، مؤكّدًا رواية "البغدادي" في هذا الخصوص
5-ألغى الأحزابَ السياسية وحاكم زعماءها
6-وضع جماعة الإخوان المسلمين في السجون
7-وضع الشيوعيين في السجون
ولأنَّ المظاهراتِ الفئوية قد توقّفت بعد إعدام خميس والبقري ، العاملين في مصنع كفر الدوّار للغزل والنسيج عقاب لهما علي تظاهرهما ، ونُفّذ حكم الإعدام في ساحة المصنع المذكور وأمام أهلهما وأمام عمال المصنع، أصبحت مصر بعد كلّ ذلك كالكرة الشراب بين أقدام جمال عبد الناصر؛ أخذ يشوطها حيث ما شاء بلا نقدٍ أو إبرام. ولكن لأن الإجابة عن السؤال السابق، وهو: وماذا بعد؟، كان لا يزال بها بندٌ لم يتحقّق، وهو جيشٌ على مستوى العصر سلاحًا وتنظيمًا واحترافًا، ليكون بديلًا لذلك الجيش الذي سيطر عليه الاحتلال البريطاني لفترةٍ ليست بالقليلة، وتولّاه قائدٌ ومعه حاشيته مبنيٌّ على الصداقات والمجاملات والسلاح المتقادم، وبقيادتين على كلّ فرقةٍ وكتيبةٍ وسرية؛ يوجد رئيسان: رئيسٌ صاحب حظوةٍ عند عبد الحكيم عامر يتحكّم في كلّ شيء، ورئيسٌ آخر بحكم الأقدمية لا يتحكّم في شيء
بنفس الأسلوب (الغش في اللعب)، زجّ عبد الناصر بالجيش عنوةً في حربٍ مع إسرائيل، رغم تحذير الفريق أنور القاضي بعدم الدخول في حربٍ مع إسرائيل لظروف الجيش غير المواتية بسبب حرب اليمن التي استمرّت 5 سنوات، وحدثت هزيمة 67، التي في حقيقة الأمر لم تكن هزيمة؛ فالجيش المصري لم يُهزم لأنه لم يُحارب، وما حدث هو تفكيكه وإعادة تجميعه على أسسٍ علميةٍ واحترافيةٍ على يد قوادٍ عظام، وهنا تم تنفيذ آخر بندٍ في إجابة السؤال: ماذا بعد؟
ويؤسفني القول إنَّ إجابة "ماذا بعد؟" لا يزال بها بندٌ مجهول؛ فقد أورثنا هذا الرجل، جمال عبد الناصر، الجمهورية الأولى التي أسّسها على سبعة أعمدة: (الحكم الفردي – القمع الأمني – الإعلام الموجّه – الدستور المنتهك – الحزب الواحد – مجلس النواب فاقد الندية – وزراء التكنوقراط ماركة "تمام يا فندم")، ووعد في أهداف الثورة الستة بتحقيق حياةٍ ديمقراطيةٍ سليمة، ولم يفِ بوعده، وعجز من خلفه في الرئاسة عن تحقيق هذا البند، ومن هنا لا يزال هناك مقعدٌ شاغرٌ في التاريخ المصري ينتظر من يشغله ويحقّق لمصر هذا الحلم من خلال الجمهورية الثانية، وهي الجمهورية الدستورية غير الرئاسية، وأملي أن يشغل عبد الفتاح السيسي هذا المقعد ويحقّق لمصر هذا الحلم
المراجع:
مذكرات عبد اللطيف البغدادي، مذكرات أحمد حمروش، ومذكرات الفريق الجمسي، مذكرات الفريق محمد فوزي
"البحث عن الذات" للرئيس محمد أنور السادات
تعليقات
إرسال تعليق