حقيقة ساطعة كالشمس (أولاد المكفوفين يولدون مبصرين). تُرى من أين وصلتني هذه الحقيقة المعروفة لي وللجميع؟ ولماذا علقت بذهني على هذا النحو؟ ستدهشون إذا ما عرفتم من هو قائلها، وستدهشون أكثر لو عرفتم المناسبة التي قيلت فيها
قائلها هو اللورد كرومر (المعتمد البريطاني)، وبالطبع كل من يسمع هذا الاسم من المصريين على الفور سيلعن أباه، فاسمه مرتبط بفاجعة دنشواي. ومواصلةً للدهشة، كانت تربطه صداقة حميمة بالزعيم سعد زغلول، وهو الذي أوصى بتعيينه وزيرًا للمعارف في وزارة بطرس غالي، ويقال — والعهدة على الراوي — إنه هو من أشار على سعد زغلول بالزواج من السيدة صفية كريمة مصطفى فهمي، رئيس الوزراء، وصاحبة اللقب الرفيع "أم المصريين"
قدم هذا الرجل ثلاثة خدمات لمصر أترك للقارئ تقدير قيمتها:
الأولى: 1898، كان هناك تخطيط بإقامة الدولة اليهودية على أرض سيناء، وحضر هرتزل، مؤسس الدولة اليهودية، مرتين إلى مصر للضغط على كرومر، ولكنه رفض رفضًا تامًا، وأقنع حكومته بتأييده في هذا الرفض، وهو ما حدث
الثانية: في 1902، أصر على عقد معاهدة مع إثيوبيا تحظر عليها إقامة أي سدود أو عوائق في مجرى النيل الأزرق، وأصر على أن يوقعها معه الإمبراطور منليك الثاني بنفسه، لا أن يوكل رئيس وزراء أو وزيرًا بالتوقيع عليها
الثالثة: 1906، قررت تركيا احتلال مناطق في سيناء وطابا، وفي الحال اعترض اللورد كرومر، ورغم إرسال تركيا لقوات لتنفيذ قرارها، إلا أنه أقنع حكومته بالرفض، وكادت تنشب حرب بين الدولتين، لولا أن سحبت تركيا قواتها إلى الحدود الدولية، وتم تثبيت سيادة مصر على طابا وساحل سيناء
عدونا ؟ نعم، لا شك في هذا ، خدمات ذات قيمة لا تُقدر بثمن قدمها لنا عدونا، وهذا أيضًا صحيح، خاصة أنها تتصل بالأمن القومي المصري بشقيه: الأرض والغذاء.
وليس أدل على قيمة هذه الخدمات من أنه رغم مرور أكثر من مائة عام، إلا أن الأطماع في سيناء ومياه النيل لا زالت مستمرة، والهجمات دائمة، وأن حائط الصد القانوني لهذا الطوفان من الأطماع هو ما وفره هذا الرجل من وثائق دامغة، وتملكها الحكومة المصرية اليوم
الرجل قدم هذه الخدمات، ويعرف قيمتها، ويعرف أنه كان يستطيع فعل عكسها، بمعنى أن القرار كان قراره كإنسان يحمل ضميرًا، إن كان حيًا أو ميتًا
برز حادث دنشواي، وعُقدت محكمة مشكلة من قضاة مصريين، وصدر ذلك الحكم الجائر. انتقلت هذه الواقعة إلى الصحف البريطانية، وأزعجت المثقف البريطاني، وكانت هناك شريحة من البريطانيين في حينها، وعلى رأسها الكاتب الكبير برنارد شو، ضد الاستعمار بشكل عام، فهاجت وماجت، وعوقب كرومر بإجباره على تقديم استقالته من منصبه. ومثل هذا صدمة كبيرة لسعد زغلول، لدرجة أنه قال: "إني أشعر وكأن شخصًا ما ضربني بسكين"
وأُقيم حفل وداع لكرومر قاطعه الجميع، فيما عدا عدد قليل من كبار رجال الدولة، ومثل هذا الموقف صدمة كبيرة لكرومر بسبب الخدمات الثلاث التي قدمها للشعب المصري، وهو ما جعله يقول العبارة التي بدأت بها مقالي: "أولاد المكفوفين يولدون مبصرين"
هذه العبارة أغضبت كبار المسؤولين المصريين جدًا، فلم يخفَ عليهم معناها، وهي أنهم ناكرون للجميل حتى بدوا كالكفيف العاجز عن الرؤية، ولكن أمله — أي كرومر — أن تأتي أجيال تالية تقدر قيمة هذه الخدمات الحياتية، وبالقطع سيكونون مبصرين على عكس آبائهم
والسؤال الآن: هل وُلد جيل المبصرين أم لا زال بعيدًا؟
تعليقات
إرسال تعليق