المشكلة أننا وأبطالنا وزعماءنا نفكر بنفس الطريقة، أما خصومنا أو أعداؤنا فيفكرون بطريقة مختلفة؛ هم يحسبون كل شيء بالورقة والقلم، ويستحضرون الماضي ويستشرفون المستقبل، ويجمعونهم على طاولة واحدة مع الحاضر، وهذا بفعل الفارق الحضاري الذي بيننا وبينهم. وفي مقال سابق لي بصحيفة القاهرة عنوانه "النانو بولتيك" قلت فيه ما معناه أن من امتلكوا علم النانو لا تنحصر كفاءاتهم وقدراتهم في هذا العلم البالغ التقدم، وإنما نفس العقول النانونية الخواص هي أيضًا التي تعمل في مجال السياسة وسائر العلوم الإنسانية، وبالتالي فإننا كشعوب مصابة بالتخلف أو الفقر الحضاري نتعامل مع العلوم الإنسانية بذات العقلية القديمة وبذات الأدوات والمعايير القديمة، بينما يتعاملون هم معها بعقلية نانونية. ولدينا في التاريخ أمثلة صارخة توضح نتائج الفارق الحضاري بين الأمم والزعامات المختلفة
فمثلًا: عندما اخترق الأوروبيون جدران العصور الوسطى وصنعوا النهضة الأوروبية، سبقوا بذلك الدولة العثمانية التي عجزت عن التخلص من ثوابت العصور الوسطى، فماذا كانت النتيجة؟ انهيار الدولة العثمانية إلى حد أن أطلق عليها الأوروبيون اسم الرجل المريض. وفي مصر، انبهر محمد علي بمعطيات الحضارة الأوروبية ممثلة في أداء نابليون بونابرت وعلمائه في فترة حكمه لمصر، فاتجه للعلماء والخبراء الفرنسيين، فأصبح هناك فارق حضاري بينه وبين السلاطين العثمانيين المعاصرين له، فإذا به في عام 1840، أي بعد 35 عامًا من حكمه، يضع يده على كل الولايات العثمانية في الإقليم العربي، ويهدد الأستانة نفسها، بل إن إبراهيم باشا هدد بأسطوله القسطنطينية عاصمة الدولة العثمانية لولا تدخل بريطانيا وحلفائها
في حرب 1948، فكر عربي متخلف وفكر صهيوني أوروبي أكثر تحضرًا؛ النتيجة هزيمة كل البلاد العربية التي دخلت الحرب
وهناك واقعة يهمني أن أذكرها تعبر عن الفارق الحضاري بين الزعيمين جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية المصري، وبن جوريون، رئيس إسرائيل؛ إذ إنه بعد انقلاب 23 يوليو 1952 زارت إحدى الشخصيات العالمية مصر، وقابلت جمال عبد الناصر، ثم زارت إسرائيل بعد ذلك، وجرى الحوار التالي بين هذه الشخصية وبين بن جوريون. قالت الشخصية لبن جوريون: أبشر يا بن جوريون، كنت في مصر وقابلت الزعيم جمال عبد الناصر حاكمها الجديد، فأخبرني أنه مهتم جدًا بإطلاق نهضة صناعية في مصر، ويقوم الآن بإعداد خطة خمسية لإقامة عشرات المصانع. فرد عليه بن جوريون قائلًا: هذا أسوأ خبر سمعته. هذا ليس لسان بن جوريون، إنه لسان الفارق الحضاري والفكر المتحضر؛ فهو لا ينظر تحت قدمه، إنه يرمي ببصره بعيدًا إلى مصر المستقبل، فهو يعرف أن النهضة لا تتجزأ، وسنرى فيما يلي نتائج الفارق الحضاري بين الرجلين جمال عبد الناصر وبن جوريون
لا تؤاخذني عزيزي القارئ، فإنك إن عجزت عن تصور أنه صراع بين رجلين، جمال عبد الناصر وبن جوريون، أي صراع بين فكرين وكفاءتين، ودخلت الصورة بمفاهيمك وثوابتك التي رباك عليها إعلام عبد الناصر الذي ما زال سائدًا حتى تاريخه، فأسف جدًا أنت من سكة وأنا من سكة. التاريخ يقول ولست أنا:
-جمال عبد الناصر ألقى بكل ثقله (ثقل مصر) مالًا وتسليحًا لمساعدة الفدائيين الجزائريين، مما أوغل صدور جنرالات فرنسا على مصر
-بن جوريون انتهز الفرصة وأرسل الضابط الشاب شيمون بيريز إلى فرنسا، وقابل الجنرالات الثائرين، ونقل لهم رسالة بن جوريون تقول: عدوكم عدونا، إسرائيل تحت أمركم في أي عمل ضد مصر. الجنرالات ردوا عليه: وما هو الثمن الذي تطلبه إسرائيل؟ تسليح إسرائيل بطائرات سوبر ميستير
ملحوظة: كان قرار الأمم المتحدة وقف إمداد إسرائيل والعرب بأي أسلحة، وبهذا حقق بن جوريون اختراقًا لهذا القرار
إمداد إسرائيل بتكنولوجيا صناعة السلاح النووي، فكان مفاعل ديمونة الحالي وامتلاكها لسلاح نووي
بعد 23 يوليو 1952 بأربع سنوات فقط، وفي غياب الخبرة السياسية والاقتصادية والعسكرية اللازمة، وبمنتهى الغشم، قام جمال عبد الناصر بمفرده وبدون أخذ رأي حتى أقرب زملائه إليه بإعلان تأميم قناة السويس في 1956، رغم أنها كانت ستعود إلى مصر بعد 12 سنة بموجب القوانين الدولية. فما الذي حدث جراء الفارق الحضاري بين بن جوريون وجمال عبد الناصر؟ وضع بن جوريون نفسه في خدمة حليفته فرنسا، فطلبت منه هي وبريطانيا استدراج الجيش المصري إلى سيناء، ثم تقوم فرنسا وإنجلترا بتدمير كوبري الفردان والإجهاز على الجيش المصري، واحتلت إسرائيل سيناء بأكملها، وكان ما كان، ولولا الحرب الباردة التي كانت قائمة بين أمريكا وروسيا وقتها لما خرجت منها، وكان يمكن أن يكون هناك كلام آخر.
وبسبب الفارق الحضاري والعجز عن رؤية الصورة السياسية في صورتها الشمولية، أدخل جمال عبد الناصر جيش مصر طرفًا في الصراع بين عبد الحكيم عامر ومساعده شمس بدران، فكانت كارثة يونيو التي أعطاها محمد حسنين هيكل اسم "نكسة يونيو" (شكّة دبوس)
وبمقياس الفارق الحضاري، عزيزي القارئ، ضع القذافي والعالم في جانب آخر، وصدام في جانب والعالم في جانب آخر، والبرهان وحميدتي في جانب والعالم في جانب آخر، والحرس الثوري وحماس وحزب الله والحوثيين وعالمنا المعاصر، وكمل أنت. وبسبب الفارق الحضاري الذي أزعجكم به يضربوننا بطريقة أخرى غير التي نعرفها؛ فهم لا يضربون حاضرنا فقط، إنهم بالدرجة الأولى يضربون مستقبلنا. حتى إن كان معك المال اللازم، فأنت لا تستطيع بناء غزة إلا بعد رفع الأنقاض، وتحتاج عشرات السنين، وقس على ذلك إيران وبنيتها التحتية: صناعة وبترول
ونهلل ونكبر للهزيمة والمهزومين، ونفعل ذلك لأننا عاجزون عن تبادل الأدوار مع إخواننا هؤلاء. ماذا لو كنت أنا كمصري مكان واحد من أبناء غزة أو لبنان أو السودان، وبنتي واحدة من فتيات السودان واغتصبها الكلاب؟ هل كنا سنهلل ونكبر للمهزومين؟ نحن كذابون ومنافقون، وكل علاقتنا بما يحدث أمامنا على شاشات التلفزيون أنها أفلام، وعاش فريد شوقي، ويحيا فريد شوقي، وتدور الدائرة، وضحيتها دائمًا بلهاء العالم
فالحل يا إخواني هو قبل أن نهلل ونكبر ونرقص ونغني فرحًا بمن يدمرون أنفسهم، علينا جميعًا أنا وأنت وهو وهي أولًا وقبل أي شيء أن نردم أو نسد الهوة الحضارية التي تفصل بيننا وبين العصر الذي نعيش فيه، وإذا وضعنا هذا نصب أعيننا فسوف تتغير كل توجهاتنا وقراراتنا، وسنحافظ على بنيتنا التحتية بكل السبل، وليس العسكرية فقط
ملحوظة: إذا كان هناك من ينكر أن الفارق الحضاري هو المسؤول عن الإبادة الجماعية للهنود الحمر في الأمريكتين فليرني نفسه
تعليقات
إرسال تعليق