شاع في أيامنا الغريبة تلك، أو أيامنا المنفلتة هذه، ما أُطلق عليه المغرضون اسم "الإسلام السياسي"، وهو ما يعطي انطباعًا بأنه منزَّل من السماء شأنه في ذلك شأن الإسلام نفسه، وهذا غير صحيح على الإطلاق. ولأن ما بُني على خطأ فهو خطأ، فإذا بنا نقع في براثن تلك الكيانات الباغية مثل:
الإخوان المسلمون في مصر وغيرها - طالبان في أفغانستان - داعش في العراق - القاعدة - حماس في غزة - حزب الله في لبنان - حركة الشباب في الصومال - بوكو حرام في نيجيريا - جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي - الحرس الثوري في إيران... إلخ
وإذا كان لديك، سيدي القارئ الكريم، القدر اللازم من الحياد والموضوعية والغيرة على أمة الإسلام في عصرنا الحالي، فانظر ما حاق بالشعوب التي ابتُليت بهذه الكيانات، وأظنك لن تختلف معي إن قلت إن أعداء الإسلام والمسلمين لهم دور كبير في نشر وإشاعة وتسويق هذا العنوان (الإسلام السياسي)، فهو خامة جيدة أمدّتهم بما أسموه في مراحل تالية "الإسلاموفوبيا"
ولهذا أرجو ألا تُصدم إذا ما رأيتني أصفه بأنه واحد من أسلحة الدمار الشامل، وإن اختلف عنها في كونه يدمّر أربابه ولا يدمّر أعداءهم، أي يدمّر أمة الإسلام. لا تخدع نفسك، وقاوم نفسك، واحكم بما يرضي الله على ما رأيته وتراه الآن يحدث لمسلمي العالم، ولا تلومني ولكن لُم أو انتقد من وضع هذا الاسم ومن خُدع به وسار على نهجه، واطرد من ذهنك تمامًا ذلك الانطباع السابق الإشارة إليه، وهو أنه منزَّل من السماء أو ذو طبيعة مقدسة، وهذا غير صحيح على الإطلاق.
فهو إسلام واحد وليس إسلامين، وحتى لا يصح اعتبار ما سُمّي بـ"الإسلام السياسي" امتدادًا أو ملحقًا أو فصلًا مكمّلًا للإسلام الأول. وإذا كان لدينا كل هذا الإصرار على الاسم، ويصح أيضًا أن نقول "الإثم"، فالأصح أن نقول "السياسي إسلام"، لأن من ابتدعوه فعلوا ذلك لجعله في خدمة السياسة وليس العكس، أي أنها تتقدم عليه وتلوّنه بألوانها التي غالبًا ما تكون خسيسة وغير أمينة.
وكلنا يذكر ما حدث في موقعة صفّين بين جيشي سيدناعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان، ولما كانت الغلبة في بدايات القتال لجيش سيدنا علي، لجأ عمرو بن العاص، وهو قائد في صفّ معاوية، إلى حيلة أوقف بها القتال، فأمر جنوده برفع المصاحف، فتوقف القتال وتم اللجوء إلى التحكيم بحجة حقن دماء المسلمين (سياسة). ثم كان التحكيم بين وكيلي الطرفين المتحاربين: أبو موسى الأشعري (عن جيش سيدنا علي بن أبي طالب) وعمرو بن العاص (عن جيش معاوية).
وحسب بعض الروايات التاريخية، اتُّفق على خلع كلٍّ من سيدنا علي ومعاوية، لكن عند إعلان النتيجة قدّم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري على نفسه (بدعوى توقيره) ليكون أول من يعلن النتيجة، فأعلن خلع سيدنا علي ومعاوية، ثم أعلن عمرو خلع سيدنا علي وإبقاء معاوية على الحكم على خلاف ما اتُّفق عليه (سياسة)
فها نحن بعد نحو 37 عامًا من الهجرة نجد أنفسنا أمام واقعة نشكر الله عليها جزيل الشكر، لأنه سبحانه أراد أن يبيّن لنا الفرق بين النموذجين، فوضعهما أمام أعيننا في مشهد واحد: الدين يمثّله سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ووكيله أبو موسى الأشعري، والسياسة يمثّلها معاوية بن أبي سفيان ووكيله عمرو بن العاص، والفعل هو الخداع السياسي
ليس هذا فحسب، بل هناك شبهة تدخل السياسة في اغتيال الخلفاء الراشدين: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ثم تلاهم مقتل الحسين بن علي، ثم عمر بن عبد العزيز (سياسة)
ورغم كل هذه المآسي والسوابق التاريخية، نجد من يصرّ على دمج الإسلام والسياسة معًا، بحيث يصبح كل فعل سياسي يحمل "بادج" الإسلام
ولدينا مثل صارخ على هذا التوجه غير البريء، وهو رفض حسن البنا، مرشد الإخوان المسلمين، تحويل جماعته -المفترض أنها دعوية- والتي تحولت لاحقًا إلى العمل السياسي، إلى حزب سياسي، حتى لا يُخلع عنها تاج الإسلام. ويا له من تاج! إن نجح شخص أو جماعة في وضعه على رأسه بالحرفية اللازمة، تحول في نظرنا إلى شخص أو جماعة "نورانية" تقول ما تشاء وتفعل ما تشاء، ومغفور لها، وأصبحنا كلنا من مريديه
وإن خرج شخص ما عن الإجماع، تعرّض للنقد وربما التجريح. وانظر لما قاله محمد مهدي عاكف، مرشد الإخوان المسلمين، وصرّح به: (طز في مصر وأبو مصر واللي في مصر). وقبله بزغ نجم شخص آخر، وضع على نفسه هالة دينية، وصرّح: (وما الوطن إلا حفنة من تراب عفن)، وهو سيد قطب القيادي في المحروسة (بالمتفجرات) جماعة الاخوان المسلمين .
وكما نرى، فإنه من الظلم بمكان الإصرار على وضع الإسلام والسياسة في كفة واحدة؛ فالإسلام مطلق، والسياسة نسبية. وما نراه أمام أعيننا يستحيل أن يكون "إسلامًا سياسيًا"، لأنه لا يوجد شيء بهذا المعنى، وإنما يمكن وصفه بأنه "إسلام مُسيّس""
بالضبط كما نقول قضاء مُسيّس، وجيش مُسيّس... إلخ. فالمعروف أن القضاء المُسيّس تُلصق به هذه التهمة عندما يحيد عن الحق بفعل أصحاب النفوذ والمصالح، وهذا لا يؤثر على القضاء ذاته، فهو قيمة كبرى وملاذ بشري اتقاءً لخطايا الجناة. أما صفة "مُسيّس" فهي سُبّة تلحق بمن اقترفها
ونفس الشيء بالنسبة لما يُسمّى "الإسلام السياسي": الإسلام قيمة كبرى وخير مطلق، وكلمة "السياسي" هي سُبّة، والخطأ ليس في الإسلام وإنما في إلصاق الصفة به
وعندما أقول إنه بات كأحد أسلحة الدمار الشامل، فليس لعيب في الإسلام -والعياذ بالله- وإنما لخلل وعوار في السياسة نفسها
ورغم أن هذا الخلل يكون بفعل شخص أو جماعة، إلا أنه مقدور عليه ونستطيع مقاومته لأننا نراهم ونعرفهم، لكن المشكلة فينا نحن: أنا وأنت وهو وهي. فحبنا للإسلام وإيماننا القوي بالله عز وجل، بدلًا من أن يكون مناط قوتنا و عنفواننا ، استطاع أعداؤنا-برصده- الي تحويله لنقطة ضعف يدخلون الينا منها بقصد خداعنا و السيطرة علينا و تدميرنا
وأصبح ذلك في حكم المعلوم لكل من يهدف إلى ذلك، وسنرى فيما يلي كيف استُخدم هذا العيب أكثر من مرة بالنسبة لمصر
-استخدمه نابليون بونابرت، وانظر ما قال في خطابه وهو يقدّم نفسه للمصريين حتى وهو لا يزال على ظهر السفينة ولم تطأ قدمه أرض ميناء أبي قير، إذ قال في خطاب له أعدّه لتقديم نفسه للمصريين، وكان نصه كما يلي:
(بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه
إعلان من القائد العام للجيوش الفرنسية، نابليون بونابرت، إلى أهالي مصر
أيها المصريون، لقد طال ظلم المماليك واستبدادهم بكم. هؤلاء القادمون من جبال القوقاز والجركس قد أفسدوا في أرض مصر، أجمل بقاع العالم وأخصبها. لقد آن أوان عقابهم، فقد قضى الله سبحانه وتعالى بانقضاء دولتهم.
يا أهل مصر، قد يُشاع بينكم أنني جئت لأهدم دينكم، وهذا كذب وافتراء. جئتُ لأنتزع حقوقكم من أيدي الظالمين، وأنا أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم، أكثر مما يفعل المماليك. إن الناس عند الله متساوون، لا يفرّقهم إلا العقل والفضيلة والعلم. فما الذي يميّز المماليك سوى جشعهم وطغيانهم؟ أي حقٍ كتبه الله لهم ليستأثروا بخيرات مصر؟ إن كانت مصر ملكًا لهم، فليُظهروا الحجة الإلهية على ذلك!
أيها المشايخ والقضاة والأئمة وأعيان البلد، أبلغوا شعبكم أن الفرنسيين أصدقاء مخلصون للإسلام)
-استخدم المماليك نفس نقطة الضعف هذه بعد هزيمتهم على يد نابليون وانسحاب مراد بك جنوبًا وإبراهيم بك شرقًا، ورغبتهم في تحريض المصريين على مقاومة المحتل الفرنسي، فقام أتباعهم بتوجيهٍ منهم بنشر دعاية بين العامة في الحواري والأزقة تدّعي أن الفرنسيين الكفار جاءوا ليقضوا على الدين الإسلامي، وسلّموا العامة والدهماء أسلحة، فهبّوا ثائرين وفاجأوا الفرنسيين في شوارع القاهرة بالهجوم عليهم وقتلوا كثيرين
وكردّ فعل، أطلق نابليون مدافعه من القلعة على القاهرة، وحسب وصف الجبرتي أُصيب المصريون بالذهول وهم يرون ما أسماه "القنابر" تنفجر أمام أعينهم، وأطلقوا دعاءهم الشهير المستمر حتى اليوم: "يا خفي الألطاف نجّنا مما نخاف"
-استخدم الإنجليز نفس نقطة الضعف بمهارة فائقة أثناء احتلالهم لمصر، إذ راعهم التقدم الذي حققه المصريون نتيجة ليبراليتهم الوليدة، فقرروا وأدها، ومن ثم التقطوا ذلك المدرس الشاب (حسن البنا)، والذي لمسوا نشاطه الديني في مدينة الإسماعيلية وقدرته على جمع المريدين حوله، فقدموا له إعانة قُدّرت بنحو خمسمائة جنيه (وهو مبلغ كبير بمقاييس زمانه)، مما أعطاه ثقة كبيرة بالنفس وبالفكرة التي يروّج لها، ثم شكّل جماعة الإخوان المسلمين، وكان ما كان
-استخدم الرئيس محمد أنور السادات هذه الخاصية في مواجهة شراسة معارضيه من اليساريين والناصريين، إذ كان أمامه خياران
الأول أن يتصرف كعبد الناصر ويلقي بخصومه في السجون ويسلّمهم إلى آلات التعذيب، أو يلجأ إلى التوازنات السياسية كما كان الحال قبل يوليو 1952. ولأنه قرر أن يأخذ بالخيار الثاني، أفرج عن الإخوان المسلمين وأعطاهم حرية الحركة على الساحة السياسية لمقاومة خصومه، كما أطلق على نفسه "الرئيس المؤمن" (وكلها سياسة)
- استخدمه عمر البشير رئيس السودان الأسبق، بعد انقلابه، بدعم مباشر من الجبهة الإسلامية حيث تحالف مع التيار الإسلامي بقيادة حسن الترابي، و حكم السودان 30 عاما (حتي جاب ضرافها)
الابتزاز الديني، كما رأينا ونرى وسنرى، قائم وظاهر أمام أعيننا، والحقيقة أنه لا اعتراض لي على ذلك، فكل يعمل لصالح نفسه، ولكن علينا نحن أيضًا كشعوب إسلامية أن نعمل لصالح أنفسنا، وأن نرد ونقاوم، ولا نترك أنفسنا لهذا النوع من الابتزاز
ولو تسمعون كلامي، تعالوا نحيط مشاعرنا الدينية المتأججة بسياج من الأسلاك الشائكة حتى لا تسمح بمرور كل من هبّ ودبّ للنفاذ إلى قلوبنا، ويستخدم ضدنا تلك المشاعر رفيعة الشأن كأسلحة دمار شامل، تفعل بنا كشعوب إسلامية كل ما نراه أمام أعيننا، وتُصيب عقولنا بالشلل وأفواهنا بالبكم، فلا نستطيع أن ننتقد ما يُسمّى بالإسلام السياسي لمجرد أنه يحمل هذا الاسم رفيع الشأن الإسلام
دعونا نأتي ببلطة ونقسم العبارة إلى قسمين
القسم الأول "الإسلام" نُجِلّه ونضعه فوق رؤوسنا وفي قلوبنا
أما القسم الثاني وهو "السياسي" فلا يكون هناك مانع من أن ندوسه بالأقدام إن عجز بذاته وبدون تمسح في ديننا القويم في تحقيق ما نرنو إليه من تقدم وسعادة في حياتنا الدنيا، مما يتيح لنا أن نتعبد لله عز وجل استعدادًا لآخرتنا
ربي، لقد فعلت كل ما أستطيع كي أضع النقاط على الحروف وأشرح لأبناء بلدي ما قد يكون خفي على بعضهم، وإن كنت تجاوزت قدري يا رب فاغفر لي، فإن ما أراه يحدث لمسلمي العرب يدمي فؤادي ويطير النوم من عيني ويملؤني بالقلق خوفًا على بلدي وأبناء بلدي من هذا الابتزاز الديني الذي يمارسه البعض ضدنا، إما محليًا أو دوليًا، ولا يرعون الله فيما يقولون ويفعلون.
تعليقات
إرسال تعليق