الجيوش و الأمم

 


الجيوش وُجدت لحماية البلاد لا لحكمها أو إدارتها، وهذا شيء طبيعي، فالشعوب وجودها سابق على وجود جيوشها

فإرادة الشعوب هي التي تُشكِّل الجيوش وتحدد حجمها وتمولها، فالشعب هو الأب والجيش هو الابن، والعكس ليس صحيحًا، وهو ما يفرض على الجيوش أن تُلزم نفسها بأن تكون أداة من أدوات القيادة السياسية (بصفتها ممثلة للشعب - الأب)، وإن لم تفعل صارت مصدرًا لتهديد ليس فقط القيادة السياسية بل للشعوب نفسها

ومن ثم فالصحيح أن تأتمر بأمر القيادة السياسية مهما كانت توجهاتها، وهذا لا يقلل من شأن الجيوش أو يُهوِّن من قدرها، فبدونها تفقد الأمم استقلالها، وليس أدل على ذلك من فقد بلادنا لاستقلالها لأكثر من ثلاثة آلاف عام بسبب عدم امتلاكها لجيش يحميها من الغزاة الأجانب، إلى أن أنشأ محمد علي الجيش المصري العظيم الذي نراه أمام أعيننا الآن من المصريين أنفسهم. وقد حقق هذا الجيش انتصارات فاقت كل التصورات، لدرجة أنه هدد القسطنطينية نفسها عاصمة الدولة العثمانية التي كانت مصر إحدى ولاياتها، باعتباره جيشًا حديثًا أُنشئ على النمط الأوروبي، وظل منفذًا لأهداف القيادة السياسية، آليةً صارمة لا تسمح أبدًا بالخروج عليها، وإن حدث يترتب على ذلك آثار كارثية يدفع ثمنها الشعوب

ولست أنا الذي يقول ذلك، وإنما هو التاريخ :

فعلها عرابي يومًا فسقطت مصر ضحية الاحتلال البريطاني لمدة 74 عامًا.

وفعلها عبد الناصر في 23 يوليو 1952 ففقدت مصر ديمقراطيتها.

وفعلها عبد الحكيم عامر وشمس بدران يومًا، ونشب خلاف خفي بينهما وبين القيادة السياسية (جمال عبد الناصر)، عمل الطرفان على ألا يصل إلى الشعب، فكانت هزيمة يونيو 1967. ولولا بزوغ شمس جيشنا العظيم حال أن أعدَّه قياداته العظيمة التي كانت مركونة على الرف، وأُعيدت إليه احترافيته، ومنها طاعته للقيادة السياسية الرشيدة، وتحركه بقوة واقتدار صوب هدف واحد لا يرى سواه، وهو حماية أرض مصر وردع المعتدين عليها وتلقينهم درسًا لا يُنسى.

وفعلتها حماس في غزة فكان دمار غزة.

وفعلها حزب الله في لبنان، وجارٍ دمار لبنان.

ويفعلها الحشد الشعبي في العراق، وجارٍ زعزعة الاستقرار في العراق.

وفعلها عبد الفتاح البرهان وحميدتي في السودان، بإصرارهما كلٌّ بطريقته وبسبب أنانيته ولحساب مصالحه الشخصية، وذلك بإعاقة نشوء وارتقاء قوة سياسية كانت تحبو حال إسقاط نظام البشير، وبدلًا من أن يأخذوا بيدها أصروا على وأدها، وبالتالي لم تعد هناك قوة سياسية يأتمران بأمرها وينقذان بلادهم، فكان هذا الدمار المستمر الذي لا يُعرف له نهاية

ويفعلها الحرس الثوري في إيران اليوم، وجارٍ تحويل إيران إلى العصر الحجري حسب تهديد الرئيس ترامب

المعضلة أنه ليس هناك من يُلزم الجيوش بأن تكون أداةً في يد الشعوب ممثلة في قيادتها السياسية، إذ لا بد أن تنبع هذه الخاصية من داخل الجيوش نفسها، وتستقر باعتبارها عقيدة راسخة لا خروج عليها. ومع ذلك، وكما نرى، في مثل هذه الأحوال—أي وجود جيش يحمل مثل هذه العقيدة الصحيحة—يلجأ رجال ما يُسمى بالإسلام السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين وغيرها إلى تهميش تلك الجيوش وصنع ميليشيات خاصة تأتمر بأمر رجاله، ويصبح في البلاد جيشان: أحدهما رسمي والآخر غير رسمي، ويدور الصراع

ومع كل ما تقدم، يجب ألا يفوتنا أنها مشكلة ذات بُعد حضاري يتصل برقي الشعوب ذاتها، ومن ثم رقي جيوشها، بدليل أننا لا نرى هذه المشكلة إلا في الدول المتخلفة سواء كانت إفريقية أو عربية، إلخ. وتأكيدًا لذلك هو ما حدث في مصرنا الحبيبة؛ فلولا تحضُّر الشعب المصري وجيشه ووضعهما أيديهما في أيدي بعضهما، لكان هناك كلام آخر: الأولى 25 يناير 2011 حال هبوب عاصفة الربيع العربي المدبرة، والثانية في 2013 حال رفض الشعب والجيش معًا سيطرة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية على البلاد

أقول قولي هذا وأنا أبتهل إلى الله أن يقي العرب شر تجاوز المدفع والدبابة لدورهما المقرر من البداية، وهو حماية الأرض والشعوب، وليس التدخل في شأنهما سياسةً واقتصادًا، وتفرغهما لحماية بلادهم، وهو واجب أثقل بكثير مما يتصور أي إنسان.





تعليقات